والذي يقطع العطاء بعد الكد - قَالَ مُجَاهِدٌ {وَأَكْدَى} قَطَعَ عَطَاءَهُ [1] - يظن أنه قد بلغ الجهد من العطاء فكان حقا له أن يدخر جهدا أو عطاءا لنفسه، ظنا منه أنه قد وفى ما عليه من حق، وقد وقع في هذا الظن نتيجة تزكية نفسه، ولذلك يذكرنا الله تعالى بما جاء في صحف إبراهيم وموسى، يقول سبحانه (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) {الأعلى/16 - 19} ، ففي كل أمة من يبخل ويضن وفيها كذلك من يعطي ويوفي، فها هو نبي الله موسى عليه السلام أنزل الله عليه التوراه ليبلغها لقوم عبدوا العجل دون الله تعالى، فكانت الصدمة الكبرى التي أذهبت لبه حين رآهم على الشرك حتى أنه ألقى الألواح من يده، لكنه صبر وظل صابرا حتى وفى ما عليه من واجب تبليغ الإسلام لقومه بالرغم ما هم عليه من ضلال وشرك وجدال وكفر، وليس ذلك بعيدا عن نبي الله إبراهيم عليه السلام ماذا قال الله فيه؟ يقول سبحانه (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) {النحل/120 - 121} ، ظل مثالا حيا للعطاء رغم ما لاقاه من أذى وكد وتعب، قَالَ مُجَاهِدٌ {الَّذِي وَفَّى} وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْه [2] ، حيث طرد من وطنه وألقى بأهله في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء، ولم يفقد الثقة في الله، يقول سبحانه (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) {البقرة/124} ، فكان في قصصهما من العبر والعظات ما يجعل الدعاة إلى الله تعالى لا يقفون عن مرحلة الكد بعد العطاء، ولا ينزلقوا بتزكية أنفسهم بعدما من الله عليهم من التقوى.
قال تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42)
حيث تضع الآيات العلاج الناجع لإشكالية ضعف الجهد الدعوى بعد بلوغ مرحلة الكد والتعب، ويكاد تظهر نتيجته، إلا أن الأمور تنقلب بين عشية وضحاها رأسا على عقب، وذلك من خلال ثلاث قواعد رئيسية تتمثل فيما يلي
القاعدة الأولى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ففيها تأكيد على أن المسئولية فردية، فلا يتكل مؤمن على جهد غيره من المؤمنين، فمن الأسباب التي أوقفت نصر المسلمين أنهم يضنون بجهدهم الدعوى وبأموالهم في سبيل الله تعالى، ظنا منهم أنهم بلغوا مرحلة الكد في العطاء، وأن غيرهم أولى بأن يبذل قصارى جهده كما بذلوا هم، وهذا هو المنزلق الذي يجعلهم يقفون عند هذه المرحلة، ومن ثم تتوقف انتصاراتهم ويبدأ أولياء الشيطان في غلبتهم، ونظير هذا المعنى قوله تعالى (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا) {النساء/84} ، فبمجرد البذل وتكليف النفس يكف الله بأسهم.
(1) في صحيح البخاري ج 15 ص 97
(2) في صحيح البخاري ج 15 ص 97