الصفحة 57 من 67

القاعدة الثانية: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ، فالأمور لا تقاس عند الله بالجهد الجمعي، فلا ينشغل المسلم بجهد غيره، فيضن بجهده حينما يرى تكاسلا من غيره، وإنما كل سعي يسعاه المرء في مرضاة الرب له، والله سبحانه مطلع عليه وسوف يراه ويجازيه بالإحسان إحسانا، قال تعالى {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} {التوبة/105} .

ثم تأتي القاعدة الثالثة، في قوله تعالى (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) ليكون منتهى قصد المسلم من العمل مرضاة ربه، والله تعالى لن يرضى حتى يبلغ جهده وسعيه منتهاه، وأن يكون رضاه سبحانه منتهى أمله، ولا منتهى له في غير ذلك، قال ابن القيم الجوزية (فليس وراء الله سبحانه غاية تطلب وليس دونه غاية إليها المنتهى، وتحت هذا سر عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحد إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين، كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإراداته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك وزال عنه وفارقه أحوج ما يكون إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعيمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد [1] .

وفي ذلك كذلك فائدة بإيكال الأسباب إلى الله تعالى، وأن عليه الحساب والتكلان، نظير ذلك قوله تعالى {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} (العلق/8) ، يقول الشيخ سفر الحوالي نقلا عن ابن القيم: (لا يوجد سبب من الأسباب مستقل بالتأثير، سواءً كَانَ السبب خيرًا أو شرًا، إلا أن يكون المؤثر والفاعل هو: الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكل سبب يستلزم وجود سبب آخر إِلَى أن تنتهي أسباب الخير وأسباب الشر -وكل ما يقع في الدنيا من خير أو شر، فالسبب وقوعه هو سبب آخر، والسبب الآخر سبب لآخر .. وهكذا تنتهي- كلها إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) [2] ، وفي ذلك توطئة لقوله (وَأَنَّهُ هُوَ) وتكرار ذلك.

قال تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) (43 - 49) .

استطردت الآيات في إظهار صورا من قدرة الله تعالى المسيطرة على الإنسان اضطرارا، وكيف أنه لا يملك لنفسه سعادة ولا يقدر أن يتملص من حزن أصابه، وكيف أن أجله محدود، فلا يملك له مدا ولا للموت دفعا، كما أنه لا يتدخل في طريقة توالده وتناسله، فهي تجري بفطرة كونية، لينشئ الله الإنسان من نطفة ذكر يمنيها فتستقبلها الأنثى، فلم يكن له اختيار في طريقة مجيئه للدنيا، فإذا ما استكملنا استطراد الأمور على هذا النسق نصل بداهة إلى إثبات عقيدة البعث بعد الممات، وأن الله تعالى ينشئ الإنسان نشأة جديدة ليس بعدها شيء، فهو الذي أغني الموحدين بحب طاعته،

(1) الفوائد ج 1 ص 202

(2) سفر الحوالي: شرح العقيدة الطحاوية ج 1 ص 1482

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت