وأقناهم في الآخرة بجنته وأرضاهم برؤيته فهو سبحانه منتهى أملهم، فإذا وقر في القلب ذلك، انقطع الطريق الموصل إلى عبادة الشياطين، وهوى بذلك كل تلبيس لإبليس، وفشلت استعاذة الكهان بالشياطين استراقا للسمع أو تطلعا للغيب، وهوت بذلك خطة إبليس ليسيطر على العالم أملا في تحزيب الناس أن ينتهي به المطاف إلى عبادة نجم الشعرى، ليجلس حتى تطلع الشمس بين قرنيه.
ففي قوله تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) (43) قال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن ; لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء، قال الإمام البقاعي:"ولما ذكر تعالى الأمور الاختيارية ... عطف عليه قوله ذاكرًا للأمور الاضطرارية التي هي في غاية التنافي إكمالًا للدليل على أنه يعلم ما في النفوس دون أصحابها .... أي ولا يعلم أحد قبل وقت الضحك أو البكاء أنه يضحك أو يبكي ولا أنه يأتيه ما يعجبه أو يحزنه، ولو قيل له حالة الضحك أنه بعد ساعة يبكي لأنكر ذلك، وربما أدركه ما أبكاه وهو في الضحك وبالعكس" [1] ، وكلاهما خلق عجيب دال على انفعال عظيم في النفس.
والتأكيد في هذا المقام على اختصاص الله تعالى بذلك يقودنا إلى مسألة الذين يستعينون بالجن فيما يسمونه بـ"التنويم المغناطيسي"، فيزعمون قدرتهم الخارقة على السيطرة على الإنسان، وأنهم قادرين على تنويمه والسيطرة عليه بالكلية، والله تعالى يرد عليهم، بأنهم غير قادرين على ذلك، فليس لهم سيطرة على طبيعة الضحك والبكاء في الإنسان، فكيف لهم أكثر من ذلك إلا بعد تلبس الجن بالإنسان، وهذا غير جائز شرعا، ولذلك أفتت اللجنة العلمية الدائمة بأن"التنويم المغناطيسي ضرب من ضروب الكهانة باستخدام جني يسلطه المنوِّم على المنوَّم فيتكلم بلسانه ويكسبه قوة على بعض الأعمال بسيطرته عليه إن صدق مع المنوم وكان طوعًا له مقابل ما يتقرب به المنوم إليه، ويجعل ذلك الجني المنوم طوع إرادة المنوم يقوم بما يطلبه منه من الأعمال بمساعدة الجني له إن صدق ذلك الجني مع المنوم، وعلى ذلك يكون استغلال التنويم المغناطيسي واتخاذه طريقًا أو وسيلة للدلالة على مكان سرقة أو ضالة أو علاج مريض أو القيام بأي عمل آخر بواسطة المنوم غير جائز، بل هو شرك لما تقدم، ولأنه التجاء إلى غير الله فيما هو من وراء الأسباب العادية التي جعلها الله سبحانه إلى المخلوقات وأباحها لهم" [2] .
ولعل من المناسب في هذا المقام أن نذكر أن من أفضل المعروف أن يكون المؤمن سببا في إدخال السرور والبهجة على غيره، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ [3] ، وعن ابن عمر: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يارسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس وأحب الأعمال
(1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج 8 ص 256
(2) فتوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم 1779 المجلد الأولى ص 399 الطبعة الثانية 1412 هـ
(3) رواه مسلم ج 13 رقم 69 ص 4760