والمتأمل في العقائد الوثنية يجد أنها ربطت عبادتهم للأصنام بحركة النجوم والكواكب، فعبدوها كذلك، وكان من أظهر معبوداتهم من كانوا يرون في ظهوره واختفائه أية كبرى لهم، حيث ارتبط فيضان النيل ومن ثم ازدهار الزراعة في مصر بشروق الشمس من جهة نجم الشعرى، ومن ثم كانوا ينتظرون فيضان النيل ليعم الخير في البلاد لكنهم مع ذلك يحذرون خطر الفيضان أن يهلكهم، لكن الخير الذي كان يأتي من الفيضان كثير، ولذلك ربطت الآيات بين قوله سبحانه (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى) ، وقوله سبحانه (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) بأداة العطف (واو) لنفي هذه العقيدة الوثنية وتأصيل مسألة الرزق والغنى وأنه من عند الله تعالى، وأن الشعرى ليس إلا مخلوق من مخلوقات الله تعالى له رب قد خلقه ومصيره مثل مصير سائر النجوم إلى الهاوية، والنجم إذا هوى، يقول صاحب الظلال: (فتقرير أن الله هو رب الشعرى له مكانة في السورة التي تبدأ بالقسم بالنجم إذا هوى ; وتتحدث عن الرحلة إلى الملأ الأعلى ; كما تستهدف تقرير عقيدة التوحيد، ونفي عقيدة الشرك الواهية المتهافتة) [1] .
قال ابن تيمية:"وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَامَّ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ فَاسْتَعَانَ بِهِمْ فِيمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنَ الْكَرَامَاتِ: مِثْلُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى الْحَجِّ، أَوْ أَنْ يَطِيرُوا بِهِ عِنْدَ السَّمَاعِ الْبِدْعِيِّ، أَوْ أَنْ يَحْمِلُوهُ إلَى عَرَفَاتٍ، وَلَا يَحُجُّ الْحَجَّ الشَّرْعِيَّ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَحْمِلُوهُ مِنْ مَدِينَةٍ إلَى مَدِينَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا مَغْرُورٌ قَدْ مَكَرُوا بِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ لَا يَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْجِنِّ بَلْ قَدْ سَمِعَ أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَهُمْ كَرَامَاتٌ وَخَوَارِقُ لِلْعَادَاتِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ الْقُرْآنِ مَا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْكَرَامَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَبَيْنَ التَّلْبِيسَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ، فَيَمْكُرُونَ بِهِ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِ، فَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ وَالْأَوْثَانَ أَوْهَمُوهُ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ وَيَكُونُ قَصْدُهُ الِاسْتِشْفَاعَ وَالتَّوَسُّلَ مِمَّنْ صَوَّرَ ذَلِكَ الصَّنَمَ عَلَى صُورَتِهِ مِنْ مَلِكٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ شَيْخٍ صَالِحٍ فَيَظُنُّ أَنَّهُ صَالِحٌ، وَتَكُونُ عِبَادَتُهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلشَّيْطَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ/40، 41] ، وَلِهَذَا كَانَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ يَقْصِدُونَ السُّجُودَ لَهَا فَيُقَارِنُهَا الشَّيْطَانُ عِنْدَ سُجُودِهِمْ لِيَكُونَ سُجُودُهُمْ لَهُ؛ وَلِهَذَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِصُورَةِ مَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ [2] ."
وقال رحمه الله"وَمِنْ الشِّرْكِ مَا كَانَ أَصْلُهُ عِبَادَةَ الْكَوَاكِبِ إمَّا الشَّمْسُ وَإِمَّا الْقَمَرُ وَإِمَّا غَيْرُهُمَا وَصَوَّرَتْ الْأَصْنَامُ طَلَاسِمَ لِتِلْكَ الْكَوَاكِبِ وَشِرْكُ قَوْمِ إبْرَاهِيمَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ مِنْ هَذَا أَوْ كَانَ بَعْضُهُ مِنْ هَذَا وَمِنْ الشِّرْكِ مَا كَانَ أَصْلُهُ عِبَادَةَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْجِنِّ وُضِعَتْ الْأَصْنَامُ لِأَجْلِهِمْ وَإِلَّا فَنَفْسُ الْأَصْنَامِ الْجَمَادِيَّةِ لَمْ تُعْبَدْ لِذَاتِهَا بَلْ لِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ وَشِرْكُ الْعَرَبِ كَانَ أَعْظَمُهُ الْأَوَّلَ وَكَانَ فِيهِ مِنْ الْجَمِيعِ" [3] ، يقول الشيخ سفر الحوالي:"من كلا الحادثتين: الحادثة التي تتعلق بالكواكب ورؤيته لها - يقصد بذلك نبي الله إبراهيم عليه السلام - كما في سورة الأنعام، وبقية القرآن كما في الشعراء والصافات في قضية الأصنام؛ يمكن أن نفهم ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه وغيره من العلماء:"
(1) في ظلال القرآن
(2) ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن ولياء الشيطان ج 1 ص 322
(3) مجموع الفتاوى ج 17 ص 460