أنهم كانوا يجمعون بين الأمرين إن الهياكل التي تُبنى في الأرض تبنى باسم المعبود من الكواكب، فالأمم القديمة ولا يزال -مع الأسف الشديد- إلى اليوم السحرة والكهنة وبعض الملاحدة يعتقدون بتأثير الكواكب والنجوم في الأحداث الأرضية، وبسبب اعتقادهم ذلك بنوا لها هيكلًا في الأرض، ويتقربون له، ويذبحون فيه؛ بناء على أن هذا هيكل زحل، وهذا هيكل المشتري الذي يسميه الرومان جيوبيتر، وهذا هيكل المريخ؛ وهذا هيكل الشعرى إلى آخر ما يعبدون، فهذا الهيكل الأرضي تُذبح فيه الذبائح، وتوضع فيه الصور،- وترتكب فيه الفواحش ... استرضاءا للشياطين -، فثمة علاقة بين المعبودات العلوية -الكواكب أو النجوم- وبين المعبودات الأرضية أو المنحوتة، كما كان هذا حادثًا في قوم إبراهيم عليه السلام [1] .
قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى(50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)
ثم تنتقل الآيات لتتحدث عن الحضارات المادية التي عبدت الشيطان، وقد بلغت من المادية ما بلغت لكنها انتكست روحيا لما ضلت طريق الهدى ونصبت عبادتها للشيطان، مرتوية بنجسه، فتفاجأت بهلاكها وسقوطها في عذاب الله بين ليلة وضحاها، وهذا تحذير قرآني لجميع الحضارات المادية التي تظن أنها بما وصلت إليه من تكنولوجيا وتقدم في العمران وقوة في البنيان لن تغلب بعد اليوم، تحذير لها أن ترضي الشيطان باتباع الشهوات كما فعلت قرى لوط، (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) ، قال تعالى"فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ" {هود/82} ، وفي ذلك إظهار للتلازم بين التقدم المادي القائم على العلو والاستكبار والطغيان في الملذات والانغماس في الشهوات إلى ما لا حد له، وكل ذلك يترتبط بما تقدم ذكره من عبادة الأوثان والتي هي في الحقيقة عبادة الشيطان.
فقد شرعت الآيات في عرض مصارع الغابرين الذين لم يعتبروا بما جاءهم من الحق وظل دينهم قائم على اتباع الظن مزكين أنفسهم دون وجه حق، كما فعل قوم عاد، قال تعالى"فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ" {فصلت/15} ، ومثلهم قوم ثمود علوا في البنيان حتى أصبحوا فارهين، قال تعالى"وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ" {الشعراء/149} ، وكلاهما قوم عاد وثمود كانوا يعرفون السحر، ويلقون التهمة به على نبيهم، قال تعالى"قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ" {الشعراء/153} ، ومثلهم في ذلك قوم نوح عليه السلام، كانوا يعبدون أصناما يسمونها بأسماء معينة، قال تعالى"وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا" {نوح/23} ، وأخيرا ذكرت الآيات قوم لوط الذي جاءوا بفاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين، فها هي مصارعهم جميعا، وقد أهلكهم الله وقلب قراهم بعد أن رفعها ثم أهواها بقدرته سبحانه فغشاها من ألوان العذاب ما غشيها، والإبهام هنا للإجمال دون حاجة للتفصيل في هذا المقام، فهلاكهم لم يكن بسبب حركة النجوم والكواكب وإنما بأمر الله لظلمهم وطغيانهم.