وتعالى {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} {سبأ/40 - 41} ، أغواهم الجن فاعتقادوا بأنهم ملائكة فعبدوهم.
فلما جاء الإسلام قطع الطريق الموصل لعبادة الشياطين، فالشيطان يستقطب أصحاب الأماني، ومن يوهمون بالظنون، والإسلام يقوم على الحق وقطع الظنون، والإيمان بأن الملك كله بيد الله تعالى يجزي المسيء بالإساءة والمحسن بالحسنى، فلما جاء الإسلام هدم هذه الإصنام في فكر هؤلاء المشركين قبل أن يهدمها على أرضهم، وقد تطلب هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم جهدا كبيرا، فقد سأل الصحابة عن الكهانة وقد أجاب عليهم على ذلك قولا شافيا، فعن معاوية بن الحكم السلمي قال قلت يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتي الكهان قال فلا تأتوا الكهان، قال قلت كنا نتطير قال ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم" [1] ، وهنا جاء الأمر بالإعراض عن مجادلتهم أول الأمر، فلا يزال المسلمين ضعفاء ويسألون عن هذه الأمور الشركية وكان كثير منهم البارحة يأتيها، فقط أمرهم الله تعالى عند تعاملهم مع هؤلاء بإظهار الحق لهم دون الخوض معهم في ضلالاتهم وخزعبلاتهم، ومن ثم اهتم القرآن الكريم بعقيدة التوحيد وكان من مستلزمات ذلك أن ضمن للموحيد بالله تعالى النجاة من النار متى اجتنبوا الكبائر، مؤكدا أن الشرك بالله تعالى من أكبر الكبائر، كما مع وضع الضوابط اللازمة كي لا يقع المسلم في الشرك بالله تعالى، ولا ينزلق في مداخله، وأول منزلق للشرك تزكية النفس، كما زكى إبليس نفسه، واستصغار الذنب وهذا ما يفتح مدخلا للشيطان على الموحدين، كما أنه دخل لأصحاب الأماني بتغريرهم بما يتمنون."
ولم يلبث الأمر على هذا الحال، وإنما صار الأمر مجادلة بالسيف بعدما كان مجادلة باللسان، فعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ [2] ، فلم يكتف الإسلام بالنهي عن إتيان الكهان، أو الوقوف عند حد الاستنكار وحسب، وإنما حارب الأصنام تلك التي هي رؤوس الشياطين، وقام بهدمها هدما، فعن ابن عباس، قال: كانت العزى [3] شيطانةً تأتي ثلاث سمراتٍ - شجرات - ببطن نخلة، فلما افتتح النبي"صلى الله عليه وسلم"مكة، بعث خالد بن الوليد، فقال له: إيت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمراتٍ، فاعضد الأولى! - اقطعها - فأتاها فعضدها، فلما جاء إليه"عليه السلام"، قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية! فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي"عليه السلام"، فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا، قال: فاعضد الثالثة! فأتاها. فإذا هو بحبشية نافشةٍ شعرها، - جنية في صورة حية - واضعةٍ
(1) رواه مسلم ج 4 ص 1748 رقم 537
(2) رواه مسلم ج 5 ص 88 رقم 1609
(3) جاء في معجم البلدان ج 4 ص 116 لمؤلفه ياقوت بن عبد الله الحموي:"العزى سمرة كانت لغطفان يعبدونها وكانوا بنوا عليها بيتا وأقاموا لها سدنة فبعث النبي صلى الله عليه و سلم خالد بن الوليد إليها فهدم البيت وأحرق السمرة والعزى تأنيث الأعز مثل الكبرى تأنيث الأكبر والأعز بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة وقال ابن حبيب العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غطفان وسدنتها من بني صرمة بن مرة"