الصفحة 9 من 67

يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها (دبية بن حرمى الشيباني ثم السلمي) - رجل من بني شيبان -، وكان سادنها - يحميها [1] -، فلما نظر إلى خالدٍ قال - أي لها:-

أعزاء، شدى شدةً لا تكذبي ... على خالدٍ! - يدعوها لقتال خالد - ألقى الخمار وشمرى!

فإنك إلا تقتلى اليوم خالدًا ... تبوئى بذل عاجلًا وتنصرى.

فقال خالد:- -ردا عليه ومخاطبا لها -"يا عز كفرانك لا سبحانك! ... إنى رأيت الله قد أهانك!"ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة، ثم عضد الشجرة، وقتل دبية السادن - أي قتل الذي كان يحميها من بني شيبان-، ثم أتى النبي"صلى الله عليه وسلم"، فأخبره، فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب! أما إنها لن تعبد بعد اليوم" [2] ، يقصد بذلك أنها لن تعبد في زمنه بعد اليوم، لكنه أخبر بأن عبادتها سوف تعود قبل يوم القيامة، والرواية عند النسائي كذلك [3] "

وبتلك المناسبة كان لابد من لفت الانتباه إلى اجتهاد الدعاة إلى الله تعالى في إزالة المنكر بكل ما يملكون من قوة وما أوتوا من جهد، كما جاهد نبي الله موسى قومه لما عبدوا العجل، وقد أضلهم السامري، وكما جاهد نبي الله إبراهيم قومه وحطم الأصنام وهو صغير لم يبلغ - ظاهرا - الرشد، فلم يكونوا كمن يبخل ويضن أن يقدم لدينه أكثر مما قدم، فلم يمنعهم الكد والتعب عن الاستمرار في الدعوة والعطاء في سبيل الله، ولذلك ضربت المثال بهذين النبيين إبراهيم وموسى عليهما السلام، من هنا تأت المرحلة الثانية في مجابهة الشرك، فعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي .. وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْتُ رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً قَالَ اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ ..." [4] ، وقد نبهت السورة على أن المسئولية فردية لا جماعية، واضعة قاعدة أن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن منتهاه إلى ربه، وتدعوه أن يتدبر في حاله ومصيره حتى يتأكد أن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه."

فتعددت صيغ التوكيد اللفظي (وأنه هو) ليؤكد المولى سبحانه قدرته على أنه هو المسيطر على الإنسان، ولا تسليط للشيطان على أولياء الله تعالى، وأن ما يحدث من طقوس شيطانية وإن اتخذت أسماء مزيفة"تنويم مغناطيسي"،""

(1) د/ جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 11 ص 242 - دار الساقي: الطبعة الرابعة 1422 هـ/ 2001 م

(2) كتاب الأصنام لابن الكلبي ص 4

(3) سوف نذكرها بإذن الله عندما نصل إلى قوله تعالى"أفرأيتم اللات والعزى"

(4) رواه مسلم ج 14 ص 24 رقم 5109

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت