فهرس الكتاب
فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( ضحِك الله الليلة، أو عجِب، من فعالكما ) )، فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] [1] ، وعن عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنه: أن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: (إن كنا، آلَ محمد صلى الله عليه وسلم، لنمكث شهرًا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمرُ والماء) [2] ، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعُه مرهونة عند يهودي.
ولا يعني زهد القائد أنه يلبَسُ المهلهل من الثياب، ويحرم نفسه مما أنعم الله جل جلاله عليه من الطعام، ويمشي وهو منحني الظهر، ثائر الرأس، ساهي البال، ضعيف الحال، وإنما يزهد عن كل ما في الدنيا بوجودها، فإن أنعم عليه الله جل جلاله من نعم الدنيا، فإنها تكون في يده لا في قلبه؛ فهو ينفق في سبيل الله جل جلاله من غير تردُّد؛ فالزهد للقائد أن تعزف نفسه عن الدنيا بالكلية، فلا يبالغ في ملبَسه، ولا يتطاول في بنيانه، ولا يُكثر أنواع طعامه، ويستثمر ما مُنِح من نِعَمِ الدنيا في نجاح مشروعه في طاعة ربه جل جلاله، وكسب وُدِّ الناس وخدمتهم.
14 -مباشرة شؤون الرعية بكامل الوقت: فلا يصح أن يعطي القائد فتاتًا من وقته لإدارة شؤون الناس ومباشرة مصالحهم، بل لا بد له أن يعطيهم عِينَةَ وقته؛ لأنهم من أهم الأولويات بالنسبة له؛ قال تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121] .
فهنا تظهر مباشرة القائد الإيجابي لأعمال القيادة بنفسه، وعن قرب ممن هم بمعيته؛ حيث يصف القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم يغدو من أهله؛ فهو يترك مصالحه البيتية ويترك حاجته لأهله، وحاجات أهله إليه، من أجل أن يقسم الأعمال بين رعاياه، وجاء الإعجاز القرآني بقوله جل جلاله: {غَدَوْتَ} [آل عمران: 121] وهو وقت الصباح الباكر؛ أي: إن القائد الإيجابي يعطي من الوقت أثمنه وأهمه في الاهتمام بشؤون من معه، وتوزيع الأدوار على مواطنيه، وخاصة في موضوع الجهاد، الذي هو السبب في دوام دولتهم.
(1) صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب قول الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .
(2) صحيح مسلم - كتاب الزهد والرقائق.