البشرى وحده هو خالق الثروة، باعتبار الثروة هى المجموع الكلى للسلع التى ينتجها المجتمع، وكانت إضافة ماركس إلى هؤلاء العلماء هى برهنته العلمية القاطعة على كيف تنقسم تلك القيم المنتجة بواسطة العمل البشرى، بين الرأسماليين الذين يحصلون على جزء من تلك القيمة أسماه ماركس فائض القيمة، وذلك في صور ثلاث هى أرباح على مشاريعهم الإنتاجية والخدمية أو فوائد على ودائعهم وقروضهم البنكية أو ريوع على عقاراتهم، وبين العمال الذين يحصلون على أقل من قيمة ما أنتجوه فعليا من قيم في صورة أجور.
لا غبار على استنتاجات ماركس بهذا الصدد، إلا أن ماركس الذى برهن على لصوصية الرأسماليين لم يحاول أن يبرهن على لصوصية البيروقراطيين، ربما لضيق وقته أو لأن الظاهرة البيروقراطية في الاقتصاد الحديث لم تكن معروفة في عهده. وقد استُكملت هذا النقص فيما بعد في القرن العشرين على يد العديد من الاقتصاديين الماركسيين مثل شاختمان وغيره، الذين كانوا دعامة نقد النمط البيروقراطى للإنتاج المشهور بالاشتراكى.
وقد ظهرت بعد ماركس العديد من الانتقادات لنظرية القيمة في العمل، منها حق المخاطرة والتنظيم ونظريات العرض والطلب وغيرها. ولكن هذه الانتقادات لا تهدف إلى الحقيقة بقدر ما تهدف إلى الدفاع عن اللصوص، مستندة على شبهات واستثناءات تثبت القاعدة ولا تنفيها، ولا تستند إلى برهنة علمية بقدر ما تردد غالبا نفس حجج المرابى الذى يدافع عن نفسه كالآتى:
أنه وفر ما وفره من نقود بعرقه وكده وذكائه وحسن تدبيره، فما يحصل عليه من فوائد هو أجر على نقوده التى يحتاجها الآخرون، فهو يقرضهم تلك النقود مخاطرا بها أن تضيع فلا يردها له المقترضون، ومن ثم فقد يخسرها أو يخسر بعضها، فله حق في التربح منها مقابل المخاطرة والمغامرة. كما أن من حقه أن يستفيد منها ويربح من إقراضها كما يستفيد المؤجر من عقاراته بتأجيرها، فهو يؤجرها كما تؤجر العقارات، بدلا من أن ينفقها على نفسه ويحبسها عن الناس الذين يخدمهم بسداد حاجتهم للنقود، وما فوائد قروضه إلا مقابل تلك الخدمة. كما أن النقود قد تفقد قيمتها بمرور الزمن فما تشتريه العشرة جنيهات الآن قد تعجز عن شرائه غدا، ومن ثم فإن من حقه أن يعوض هذا الفقد بفائدة يحصل عليها من المقترض الذى حرمه من استثمارها وتنميتها طوال فترة الاقتراض.
ولكن هذا الدفاع الذى قد يبدو مقنعا، لا ينفى أن نقود المرابى ربت أو نمت لديه دون أن يبذل مجهودا في زيادتها. والنظرة الموضوعية ترى أنه لا فرق إطلاقا بين فائض القيمة الذى يحصل عليه الرأسماليون، والفائدة التى يحصل عليها المرابى. وبرغم هذا التطابق الواضح للعيان إلا أن البعض لا يجد غضاضة في أن يرفض إدانة أرباح الرأسمالى، ويعتبرها رزقا حلالا، ويدين في نفس الوقت أرباح الربا التى يعتبرها مالا حراما.
بنفس منطق المرابى يدافع الرأسمالى عن نفسه كالآتى: إن ما يحصل عليه من أرباح، هو حقه المشروع مقابل مخاطرته باستثمار ما يملكه من رأس المال، الذى كان بمقدوره أن ينفقه على نفسه أو يحبسه عن الاستثمار، إلا أنه قرر أن يوفر فرص عمل للعمال من أجل يستمروا في الحياة. ولأنهم محرومين في نفس الوقت من وسائل الإنتاج، فأنه اشترى تلك الوسائل كى ينتجوا بها سلعا ذات قيمة أكبر من قيمة ما أنفقه على شراء وسائل الإنتاج ودفع أجور العمال. ولما كان يلبى حاجات العمال للعمل فإنه يطالب بحقه في الربح من تلك الخدمة الاجتماعية التى يؤديها لهم.
مثلما يكون المرابى هو الطرف الأقوى الذى يستغل حاجة المقترضين لنقوده، ومن ثم يفرض شروطه المجحفة عليهم باعتبارهم الطرف الأضعف، فكذلك الرأسمالى أيضا يستغل احتياج العمال المجردين من الثروة للعمل فيفرض شروطه الظالمة عليهم. وإذا كانت العداوات تنشأ بين المقرضين والمقترضين بسبب اختلاف المصالح بينهما، فإن عداوات أكثر مرارة تنشأ بين العمال والرأسماليين، حيث يكون من مصلحة العمال الحصول على أجور أعلى وعدد ساعات عمل أقل وأسعار أرخص في حين لا تتحقق مصلحة الرأسماليين إلا بالعكس: أجورا أقل وعدد ساعات عمل أكثر وأسعارا أعلى.