الصفحة 3 من 5

يدعى الرأسمالى، مدافعا عن حقه في الربح، أن من حقه الحصول على تلك القيمة الزائدة مقابل تنظيمه وإدارته للاستثمارات التى يملكها. وكذلك يدير المرابى أمواله بمتابعة الإقراض وتحصيل حقوقه من المقترضين. إلا أن الحقيقة الواضحة كالشمس أن غالبية الرأسماليين لا شأن لهم فعليا بإدارة وتنظيم استثماراتهم، التى أصبحت غالبا في يد البيروقراطيين، وأنهم غالبا يحصلون على دخلهم من الثروة التى يملكونها كفوائد على ما يملكوه من الأسهم والأوراق المالية والإيداعات البنكية، أو كريع للعقارات المملوكة لهم، دون بذل أى جهد يذكر في الإنتاج وتنظيمه وإدارته، الذى أصبحت شأنا فنيا في يد المتخصصين في الإدارة. وفضلا عن أن مقابل الإدارة والتنظيم هذا إن اتفقنا علي أحقية المديرين فيه، لا يمكن أن يبرر نصيب الأسد الذى يحصل عليه الرأسماليون من فائض القيمة في صورة أرباح وفوائد وريوع في مقابل الفتات التى يحصل عليها العمال في صورة أجور، إلا إذا اعتبرنا أن الإدارة والتنظيم هى أهم عناصر الإنتاج، وأن القرارات الإدارية التى يتخذها المديرون هى المولدة للربح دون أن تجد من ينفذها من العمال الذين يحولوها لإنتاج ملموس.

الرأسماليون في مصر يحصلون على أكثر من سبعين في المئة من الدخل القومى في صورة عوائد تَمَلُّك، في حين يتركون لمجموع العاملين بأجر، بما فيهم البيروقراطيين، أقل من ثلاثين في المئة في صورة أجور، فهل الإدارة والتنظيم تساهم بسبعين في المئة من القيمة المنتجة؟ مع ملاحظة أن الإدارة والتنظيم يتم الحصول على مقابلها في صورة أجور للبيروقراطيين، الذين يحصلون فعليا على نصيب الأسد من مجمل الأجور، أى الثلاثين في المئة الباقية للعاملين بأجر.

كان الدافع لكتابة هذا المقال هو ما أثاره الصديق سامر سليمان حول إهمال اليسار لنظرية القيمة في العمل برغم أنها ركن الزاوية في الماركسية، وهى الأساس العلمى الذى تستند عليه الطبقة العاملة في المطالبة بحقوقها التى يسلبها الرأسماليون. ولكن ما لا يعرفه البعض أن هناك من الماركسيين القوميين (وهو قول شبيه بالمسلمين الملحدين) ، يرفضون نظرية القيمة في العمل، مستندين على دوافع قومية ووطنية. فالمسألة إذن ليست مجرد إهمال مقصود أو غير مقصود كما قد يظن البعض لقضية الطبقة العاملة الأساسية، ولكنه تجنب صريح لها لأنها لا تساند رؤيتهم لكل من الاستغلال والقهر، الذى ينخرطون في النضال ضدهما على أسس قومية، لا على أسس طبقية. فالشيوعيون على حد تعبير أحد كبار كوادرهم في مصر هم الأكثر تطرفا في الوطنية من بين كل الوطنيين، فيا لها من خيبة.

سر الإهمال أو التشويه أو العداء لنظرية القيمة في العمل من قبل هؤلاء القوميين، يرجع إلى أنها تقول ببساطة أن قيمة السلع الخام الزراعية والحيوانية والتعدينية لا بد وأن تكون أقل من قيمة السلع الصناعية، طالما أن العمل المبذول في الإنتاج الزراعى والتعدينى أقل من العمل المبذول في الصناعة، وهذا يفسر، جزئيا، الفرق في مستوى المعيشة بين البلاد التى تتخصص في إنتاج المواد الخام والبلاد الصناعية، والراجع أساسا إلى الفرق بين الإنتاجية المرتفعة للعامل الصناعى، ومن ثم دخله المرتفع، وبين الإنتاجية المنخفضة للعامل الزراعى أو عامل التعدين، ومن ثم دخله المنخفض. فالعامل الزراعى قد لا يعمل في أفضل الأحوال سوى بضعة أسابيع في العام، في حين يقف العامل الصناعى على خط الإنتاج معظم أيام العام. وفى حين يستخدم العامل الزراعى أدوات إنتاج بسيطة بذل في إنتاجها عمل أقل ومن ثم قيمة أقل، يستخدم العامل الصناعى أدوات إنتاج أكثر تعقيدا بذل في إنتاجها عمل أكثر ومن ثم قيمة أكثر. ففى حين يبلغ عمال الصناعة في مصر 19% من قوة العمل يساهمون ب 30% من الدخل القومى، يبلغ عمال الزراعة 30% من قوة العمل ولا يساهمون بأكثر من 20% من الدخل القومى، مع ملاحظة أن مستوى التصنيع في مصر متخلف، لا ينتج قيمة بنفس المستوى المتقدم في البلاد الصناعية. والجدير بالذكر أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت