دول البترول الثرية حالة استثنائية من القاعدة. لأسباب لها علاقة بقواعد العرض والطلب، فضلا عن المصادفة الجغرافية الخاصة بقلة عدد السكان في تلك البلاد بالمقارنة بدخلها من البترول
نظرية القيمة في العمل تفسر ببساطة سر فقر بلاد المواد الأولية بالنظر لثراء البلاد الصناعية، ليس على أساس أنها منهوبة من بلاد الصناعة الإمبريالية، بسبب ما يقال عنه التبادل غير المتكافئ بين السلع الأولية والسلع المصنعة. وهى النظريات يتغذى عليها اليسار القومى. ولكن حتى مع التسليم بصحة وجود درجة من النهب في ظل الاستعمار المباشر، فكيف نفسر استمرار هذا النهب في ظل الاستقلال؟ وإذا كانت المسألة كما تقول مدارس التبعية، هى أنه يوجد فرق في العائد على نفس الإنتاجية بين الشمال الصناعى وبين الجنوب الزراعى والتعدينى، وأن هذا الفرق المتحقق يتم تنهبه بلاد الشمال من بلاد الجنوب، سيكون حل المسألة ببساطة هو توحيد العائد على نفس الإنتاجية في كل بقاع العالم، وهذا يمكن أن يتم بالتوحيد الكامل للسوق العالمى، ليس فقط على مستوى حرية التجارة كما هو الآن، ولكن بإطلاق حرية هجرة العمالة.
العمل الإنسانى هو المصدر الأوحد لكل ثروة مادية، جنبا إلى جنب مع الطبيعة التى تزود الإنسان بمواد عمله من أراضى ومواد خام وخلافه. وكل ما في الطبيعة البكر من إمكانيات كامنة لتوليد الثروة الاجتماعية لابد وأنها تحتاج للعمل الإنسانى لتحويل تلك الإمكانية لواقع ملموس من الثروة، فقوة العمل البشرى هى التى تحول الأرض البكر لأرض صالحة إما للبناء أو للزراعة، فتصبح بذلك العمل ثروة اجتماعية، وقوة العمل البشرى هى التى تستخرج ما في المناجم من معادن، تلك التى تظل بلا قيمة طالما ظلت في المناجم، ولكنها تصبح بعد استخراجها بقوة العمل البشرى لسطح الأرض مواد لها قيمة معينة، وتكتسب قيمة أعلى عندما يتم توصيلها لأماكن صهرها، وبالصهر والصب والقطع والتشكيل وغيرها من العمليات تتحول تلك المواد الأولية الخام الموجودة في الطبيعة لأدوات وآلات للعمل ذات قيمة أعلى من قيمة المواد الخام المستخرجة والمنصهرة. وكلما زادت العمليات التى تجرى على نفس الكمية من المعادن المستخرجة من المنجم خلقت منتجات أعلى في قيمتها. وتستطيع قوة العمل البشرى أن تؤثر بأدوات وآلات العمل على المواد الأولية الخام وغير الخام لإنتاج المزيد من أشكال الثروة الاجتماعية، سواء في شكل منتجات للاستهلاك أو وسائل للإنتاج، تتحدد قيمتها بما بذل فيها من عمل بشرى، وهى القيمة التى لا تكتسبها إلا بفضل هذا العمل. والأشياء التى توجد في الطبيعة البكر، والتى لم يؤثر فيها عمل ما، هى أشياء لا تباع ولا تشترى، ولا ثمن لها، كالهواء وهو أكثر المواد منفعة لحياة الإنسان، وأكثرها قيمة استعمالية، والذى برغم من ذلك نتنفسه دون أن يطالبنا أحد بثمنه، إلا إذا بذل فيه عمل ما، سواء بالتنقية والتعبئة مثلا فيصبح بذلك سلعة لها قيمة تبادلية أى ثمن.
فى بدايات الرأسمالية كان الاستغلال والقهر الطبقيين محدودين بالدولة القومية والسوق القومى، ولكن عندما تمددت هذه الرأسمالية لتغزو العالم، ظل الاستغلال والقهر طبقيين في جوهرهما، وإن تخطيا الحدود القومية. فبترول الخليج ظل لملايين السنين في باطن الأرض بلا ثمن ولا قيمة، وجاء الرأسماليون المنتمون للدول الصناعية بوسائل إنتاج متقدمة للتنقيب عنه واستخراجه، واشتروا قوة عمل مأجورة من مهندسين وفنيين وعمال مهرة وغير مهرة، ينتمون لجنسيات مختلفة محلية وأجنبية، وبواسطة عمل هؤلاء العاملين بأجر خرج البترول من آباره، لتصبح له قيمة، وهم أصحاب الحق وحدهم في تلك القيمة، ونقلت هذا البترول الناقلات والأنابيب إلى معامل تكرير البترول، ليتحول بفضل قوة عمل معامل التكرير لمنتجات بترولية مختلفة ذات قيم مختلفة.
وكان على شركات البترول أن تدفع للحكومات التى تسيطر على الأرض التى استخرج منها البترول ريعا مقابل ما يتم استخراجه من بترول خام. وهذا الريع جزء من فائض العمل المنهوب من العاملين بأجر الذين استخرجوا البترول، تخلى عنه ملاك شركات البترول لحكام تلك البلاد الذين تشاركوا معهم في نهب عمال تلك الشركات، أيا كانت جنسياتهم. وبمرور الوقت، تراكمت النقود في يد حكام تلك البلاد، ومنهم إلى بيروقراطييها، ثم التجار ورؤساء