الصفحة 2 من 10

المؤسسات المالية بهم، أو عُرفت عنهم سلفًا مواقفُ في بعض المسائل المالية لا تعجب تلك المؤسسات فأعرضت عنهم. والأهم من ذلك كله أن نجوم فتاوى السوق اليوم من المستشارين الشرعيين أرادوا إقصاءهم دفعًا للحرج الحاصل لهم من وجودهم في نفس المجالس معهم، فلذا ترى هؤلاء النجوم يعززون أمكنتهم في تلك المجالس بترشيح بعضهم بعضًا لعضوية تلك المجالس، أو بترشيح تابعيهم والمسبحين بحمدهم أكفاءً كانوا أم غير أكفاء. ... وطبعًا، فإن ذلك يلتقي أيضًا مع مصلحة المصرف الخاصة، فالفتاوى المتساهلة التي تؤدي إلى تحقق المكاسب الكبيرة دون مخاطر معتبرة هي أُمنية أكثر المصارف، وبالتالي تلتقي مصلحة تلك المصارف مع مصالح هيئات الفتوى في تكريس احتكار الرقابة الشرعية المصرفية. ... وجوهر المشكلة وسببها هو في كون العلاقة بين القائمين على مؤسسات التمويل الإسلامي وهيئات الفتوى علاقة مباشرة، فهم من يعيّنونهم ويدفعون روراتبهم. وفي هذا فتح لباب عظيم من أبواب المفسدة، وليس له أصل شرعي. فما عهد في تاريخ التشريع الإسلامي أن المفتي يأخذ أجرًا من المستفتي، أو أن القاضي يأخذ أجرًا من أحد الخصمين. وكل ذلك واقع اليوم في التمويل الإسلامي، فهيئة الفتوى تأخذ أجرًا من المصرف مباشرة، وهو الذي يعينها ويستفتيها؛ وهيئة الفتوى هي بمنزلة القاضي عندما يتقدم أحد العملاء بشكاية ضد المصرف، فتحكم بينهما مع أن أجرها من المصرف! ... وعلى صعيد الآثار المترتبة على احتكار صناعة الفتوى المصرفية، فإن انفراد ثلة قليلة معينة في توجيه عمل المؤسسات المالية الإسلامية التي تعد اليوم بالمئات يعنى أن تصبح مسيرة هذه المؤسسات أسيرة رؤاهم وآرائهم الاجتهادية، وهي رؤى وآراء قد يجافيها الصواب، فتكون من حيث النتيجة مسيئة إلى هذه المؤسسات ومصداقيتها لدى الناس. وهو الأمر الذي يهدد هذه الصيرفة الإسلامية ويفقدها عنصر المنافسة الوحيد الذي تملكه في مواجهة مؤسسات التمويل التقليدية العملاقة، وهو صبغتها الإسلامية التي بها جذبت ودائع الناس وتعاملاتهم. وشيوع التورق في مؤسسات التمويل الإسلامي مثال على ذلك، فأهم سبب لشيوع التورق هو وجود القائلين بتسويغه في العشرات من الهيئات الشرعية المصرفية، فحيث ترى فلانًا وفلانًا من الشيوخ تجد التورق؛ اللهم إلا أن تكون إدارة البنك أو ملاكه من المساهمين من الحذق أو التقوى والإنصاف بحيث يدركون فساد التورق، فيرفضونه في مؤسساتهم وإن أجازته لهم هيئاتهم. ... والحقيقة أن الآثار السلبية لظاهرة احتكار الرقابة الشرعية المصرفية تتجاوز دائرة العمل المصرفي الإسلامي لتسيء من حيث النتيجة إلى الشريعة الإسلامية وحاكميتها، فالصيرفة الإسلامية القائمة عكست في نظر المثقفين تدهورًا خطيرًا في الفكر الإسلامي المعاصر، وأساءت إلى سمعة الشرعيين وقدرتهم على التشريع على مستوى التنظيم العام، وشككت في قدرة الشريعة على مواكبة التطور وصلاحيتها لكل زمان ومكان. فخصوم الشريعة التقليديون لا يدركون حقيقة أن الممارسات الخاطئة التي تجري في ظل التمويل الإسلامي لا تمت إلى الإسلام واقتصاده حقيقةً بصلة، فيسخرون من التمويل الإسلامي الذي خرج به الشرعيون في زماننا، ومن مهازله يستمدون مادةً صالحةً لاتهام الشرعيين بالسذاجة واللامنطقية، واتهام الشريعة بالعجز واللاواقعية، وعدم صلاحيتها للتطبيق والحاكمية في عصرنا الراهن في الجانب الاقتصادي فضلًا عن السياسي. ثم يسخرون من الشرعيين أكثر لافتخارهم وتبجحهم بهذا الذي خرجوا به مما لا يعد أكثره في ميزان العقلاء، بحسَبهم، إلا أشبه بالمسرحيات الهزلية! ... حقًا، لقد أعطت تلك الممارسات المشوّهة المسوغ لخصماء الشريعة التقليديين لمهاجمة الشريعة واتهامها بما يشاؤون، وغاب عن أذهان أرباب تلك الممارسات هذا الأثر الخطير الذي يتجاوز دائرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت