الصفحة 3 من 10

التشكيك في شرعية المعاملة الواحدة إلى قضية تشويه الشريعة الإسلامية إجمالًا، وهو الأمر ذو الأثر الفكري والسياسي الخطير. ... أما طَلَقات المديح لنظام التمويل والتشريع الاقتصادي الإسلامي الحالي التي نسمعها أونقرؤها بين الفينة والأخرى من الغرب سياسيين واقتصاديين، وتتبجح بها بعض مؤسسات التمويل الإسلامي ورجالاته، فهي مبنية على ما شاع من وصف التمويل الإسلامي بأنه تمويل يغلب عليه أسلوب المشاركة في الربح والخسارة، ويحرّم الفائدة، ويمنع تداول الديون وبيعها، والفائدة وبيع الدين هما ما تسبب في أضرار شديدة للاقتصاد الغربي. وفي أحايين كثيرة يكون الغرض من هذا المديح الصادر عن رجال الأعمال والبنوك في الغرب جذب أموال المسلمين إلى مؤسساتهم التي أنشؤوها في ديار المسلمين أو في ديارهم تحت تسميات إسلامية، فأصول المصرفية الإسلامية التي تقترب من ألف مليار دولار تغري ولا شك تلك البنوك بها. ... إن وقوف السلطات الرقابية موقف عدم المبالاة من تلك الممارسات المشوهة قد ترك المجال رحبًا لمن قصر نظُره، وخانته حكمته، أوضعفت نفسه من الشرعيين أن يلوي عنق الشريعة ويشوهها على النحو الذي ذكرنا. والغريب أن بعض النزيهين من أصحاب الفتاوى لا يدركون تبعات هذه الفتاوى التي يطلقونها، وحجم الإساءة إلى الدين التي يجروّنها. والغريب أيضًا أن عقلاء الأمة ومفكريها لا يقومون بدورهم في استيعاب وتقدير تبِعات هذا العبث بالشريعة، ثم الأخذ على أيدي، أو تنبيه، هؤلاء العابثين. ... - هل تعتقد أن المسؤولين عن مجالس الإفتاء الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية مؤهلون ولديهم الإلمام الكامل بأصول العمل المصرفي وما يستلزمه كاللغة الأجنبية مثلًا؟ ... تحقق الإلمام بأصول العمل المصرفي ليس أمرًا صعبًا أبدًا، بل يمكن للفقيه الشرعي المؤهل اكتسابه خلال فترة وجيزة؛ أما اللغة الأجنبية فهي ضرورية إن كان العقود والمعاملات المعروضة على مجلس الفتوى الشرعي باللغة الأجنبية. لكن للأسف أعطي هذا الأمران أهمية فوق الأهمية التي ينبغي أن تعط للدراية والتخصص الفقهي المالي، ولهذا ترى بعض حملة الشهادات العلمية في الاقتصاد الوضعي من الجامعات الأجنبية الملميّن بعض إلمام بالفقه متصدرين لكثير من هذه المجالس. ... وفي أيامنا، ينبغي أن لا يعيّن في هذه المجالس إلا المختصون في الفقه المالي، وحملة الشهادات العلمية العالية في هذا الاختصاص من كليات شرعية معتبرة، فزمننا زمن تخصص، فلا يصلح لهذا المنصب من يحمل مثلًا شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، أو في التفسير أو الحديث، أو حتى في الفقه لكن في تخصص غير فقه الأموال، ولا سيما أن فقه الأموال هو أصعب أقسام الفقه فيتحاج إلى عناية خاصة. ... والحقيقة أن أكثر أرباب الفتاوى المصرفية المثيرة للجدل هم من غير المتخصصين، وهذا يؤكد الحاجة إلى تعيين المتخصصين فحسب. ولما كان من الطبيعي ألا يدرك الفقهاء المختصون بعض الاعتبارات المالية والاقتصادية للقضايا التي تعرض على هيئة الفتوى، فمن الواجب أن يُعينَ مستشارًا لهيئة الفتتوى اقتصاديٌ ممارس، يُطِلعُ هيئة الفتوى على هذه الاعتبارات، وينبههم إلى المآلات الاقتصادية التي قد تنجم عن فتوى بعينها؛ فقصور نظر المفتي عن تقدير هذه المآلات هو في بعض الأحوال السبب وراء شيوع منتجات مصرفية سيئة السمعة والأثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت