وإلباسها اللبوس الرسمي المستقل عن شخصه؛ فلا تكون هذه المعايير من حيث النتيجة موثوقًا بها من قبل الأطياف الأخرى، وبالتالي تفقد مصداقيتها وفرصة الاتفاق على الالتزام بها. ... إن أرباب الفتاوى المصرفية غير المضبطة ماض كل واحد في طريقه لا يلوي على أحد ولا رقيب عليه، يحلل هذا ويحرّم هذا، وقد يحلل غدًا ما حرمه بالأمس، وقلما يحرم غدًا ما حلله بالأمس؛ وكل واحد من هؤلاء يتستر على أخيه في الإفتاء، لأنه إن نقد هذا في فتواه رد عليه المنتَقد بنقد مقابل، فلكلٍ سقطاته، بل لعله يمرر له أمرًا في مجلسٍ ما ليمرر الآخر له أمرًا بالمقابل! ... - في نهاية اللقاء، ما هو تصوركم عن الحل للخروج من هذا الخلل في مسيرة العمل المصرفي الإسلامي؟ ... جوهر الخلل كما بيّنا هو في آلية عمل هيئات الفتوى ومؤسساتها في التمويل الإسلامي، فهي آلية غريبة عن جسم الشريعة الإسلامية وفكرها، وتفتح مفاسد عظيمة لا يسع عاقلًا الجهل بها وإنكارها. ... والبديل الذي يقطع دابر هذه المفاسد ويصحح عمل هيئات الفتوى ليس أمرًا مستحيلًا بل هو بسيط ممكن، وقد طرحتُ وطرح مختصون آخرون سبيلًا لمعالجة هذه القضية يتجلى في تولي جهة رقابية مثل البنوك المركزية وضع قواعد حوكمة لعمل هيئات الفتوى في المؤسسات المالية، فتحدد الحد الأدنى من المؤهلات المطلوبة في كل عضو، وعدد الهيئات التي يحق له الانضمام إليها، وتشرف على أمر التعيين، وتنفرد بقرار العزل، وتقوم بدفع رواتب أعضاء هيئة الفتوى خصمًا من احتياطات البنوك الإسلامية المودعة لدى البنك المركزي. وبهذا ينقطع الارتباط المصلحي بين هيئة الفتوى والمؤسسات التي يفتون فيها، ويعلم المستشار الشرعي في المؤسسة المالية أن وظيفته فيها لن تتأثر بالموقف الذي يتخذه تجاه القضايا المعروضة. ... وأمر واجب آخر وهو أن تُلزم هيئات الفتوى المصرفية بعدم الخروج عن قرارات المجامع الفقهية، فما فائدة تلك القرارات والجلسات التي تعقد لإصدارها إن لم تحترم من قبل المؤسسات المالية المصرفية! ... وإني هنا لأظن أن للمجلس العام للنبوك والمؤسسات المالية الإسلامية دورًا أساسيًا يمكن أن يضطلع به في هذا المجال، فالمؤسسات المالية الإسلامية بحاجة إلى جهة تجمعها وتمثلها وتنظمها وترقب عملها وتردفها بالكوادر اللازمة. وكل هذه أدوار يمكن أن يقوم بها المجلس؛ فمزاولة الصيرفة الإسلامية أو التمويل الإسلامي عبر مؤسسات ينبغي أن يكون وفق ترخيص شرعي محدد صادر عن جهة مستقلة ذات طابع إسلامي دولي. يتجدد هذا الترخيص دوريًا، ويمكن سحبه من مؤسسة أو مصرف ما إن وقعت المخالفات الشرعية فيها وتكررت، فيكون أشبه بسحب الثقة عن هذه المؤسسة. وهذا يستدعي بدوره حوكمة عمل المؤسسات المالية الإسلامية وتقرير المخالفات الشرعية التي تستدعي سحب التراخيص وحجب الثقة. كما ينبغي أن ينال أعضاء هيئات الفتوى على تراخيص بمزاولة هذا العمل من المجلس العام، بحيث يُنظر في مؤهلات كل مرشح ويُتأكد من سلامتها وكفاءة المرشح لهذا العمل. وهذا يستدعي أيضًا تعاونًا بين البنوك المركزية للدول وبين المجلس. ولعل الخطوة الأخيرة من المجلس العام بالسعي لتشكيل هيئة شرعية عامة تعين على تحقيق شيء من هذه الأهداف، فضلًا عن الخطوة المتعلقة بإعداد دورات خاصة بالمصرفي الإسلامي المعتمد لردف المؤسسات المالية الإسلامية بالكوادر المؤهلة. ... وهذا التنظيم الذي ننشده آتٍ في رأيي لا محالة، وسيكون مطلبًا من المؤسسات المالية نفسها، ذلك أن التراجع المضطرد الملحوظ على مستوى تقديم المنتج الشرعي السليم، وتنافس المؤسسات المالية الإسلامية فيما بينها على تقديم كل منتجات المصارف التقليدية بغثها وثمينها سعيًا وراء الربح، سيؤدي