أما الأحناف فاشترطوا في قبول خبر الآحاد ألا تخالف السنة القياس الصحيح أي الأصول العامة في الفقه الإسلامي إذا كان الراوي غير فقيه، وعللوا ذلك بأن الراوي إذا لم يكن فقيها فإنه لا يؤمن أن يذهب شيء من المعنى الذي يبتني عليه الحكم، وقد رد الأحناف لذلك حديث المصراة؛ لأن هذا الخبر في نظرهم قد خالف أصل الخراج بالضمان [1] ،وتقديم القياس على الحديث الصحيح لا يجوز فالسنة أحد مصدري التشريع أما القياس فهو مظهر للتشريع فقط و القياس يرجع إليه إذا لم يوجد في المسألة نص، والنص قد وجد و هو الحديث النبوي فلا معنى للقياس إذا فلا قياس مع النص، والصحابة لم يلتفوا لرأي أو قياس إذا جاءهم الخبر، ولأن تناول العلة لمحل خبر الواحد مظنون لجواز استثنائه، قال الشيخ أحمد فريد: فإن كل قياس، و إن كان حسنا من حيث النظر إذا صح الحديث بخلافه فهو مردود بالقادح المسمى فساد الاعتبار، وإنما يلجأ العلمأ للقياس عند عدم النص فهو كأكل الميتة للمضطر، وكما يقولون: إذا جاء الأثر بطل النظر، وإذا طلع الصبح اغنى عن المصباح [2] .
و رد الحديث الصحيح لمخالفته عمل أهل المدينة أو لمخالفته الأصول الثابتة فيه مخالفة صريحة للآيات والأحاديث القاضية بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف والتنازع دون هذه الشروط التي ما أنزل الله بها من سلطان فالله قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} فإذا كان خبر الفاسق نتثبت فيه، و لا يؤخذ حتى يتبين صدقه فخبر العدل يقبل في الدين بدلالة مفهوم المخالفة، وليس في الاية اشتراط ألا يخالف الحديث الأصول الثابتة أو القياس.
(1) - انظر أصول السرخسي 1/ 341،و الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان ص 174 - 175،ومصادر التشريع للدكتور أنور دبور 113 - 114
(2) - التربية على منهج أهل السنة والجماعة للشيخ أحمد فريد ص 105