الصفحة 2 من 16

من هنا تأتي المفاجأة ويدهشنا , بل يبهتنا الاستغراب القوي لأن معنى هذا وبناءً على ظاهر هذه الأحكام والتفسيرات ـ أن أولئك العرب كانوا متخلفين جهلاء ليس لديهم أي جانب إيجابي في أخلاقهم وتربيتهم, ليس فيهم إلا المثالب والسلبيات.

ومما لاشك فيه أن هذا طبيعة الأشياء, لأن أي عصر أو أية أمة في هذا الكون لاتتصف دائما بالكمال المطلق أو النقصان المطلق , فليس هناك بشرية ملائكية , وجماعة أخرى شيطانية. ومنذ أن خلق الله آدم والبشر بشر فيهم من خصائص الأرض ونفحات السماء.

وقد كان جورجي زيدان محقًا حين قال: (( لم يتصد أحد للبحث في آداب اللغة العربية قبل زمن التاريخ لقلة المواد المساعدة على ذلك , ولاعتقادهم أن العرب ـ حتى في الجاهلية الثانية ـ قبل الإسلام , كانوا غارقين في الفوضى والجهالة , لاعمل لهم إلا الغزو والنهب والحرب في بادية الحجاز والشام وفي نجد وغيرها من بلاد العرب. على أننا, إذا نظرنا إلى لغتهم كما كانت في عصر الجاهلية نستدل على أن هذه الأمة كانت من أعرق الأمم في المدنية, لأنها من أرقى لغات العالم في أساليبها ومعانيها وتراكيبها .. واللغة مرآة عقول أصحابها ومستودع آدابهم ) ) [1] .

وأمة العرب شأنها شان غيرها من الأمم لأنك (( ... تجد لكل أمة خصائص في مشاعرها ومداركها تمتاز بها عن سواها ... فاليونان يظهر من تاريخ آداب لسانهم أنهم يمتازون عن سواهم بسعة التصور وقوة العارضة, والجنوح إلى الفلسفة, ويمتاز الرومان في السياسة والنظام والتشريع, ويمتاز العرب بدقة الإحساس في نفوسهم وسرعة الخاطر وسعة الخيال. ويمتاز الهنود باستغراقهم في الخيالات والأوهام , وقس على ذلك ) ). [2]

ويعدد أحمد حسن الزيات مجالات امتياز وتفوق العرب الذين (( أكسبتهم قوة الملاحظة, وكثرة التجارب, واضطرار الحاجة, طائفة من العلم المبني على التجربة والاستقراء والوهم, فعرفوا الطب والبيطرة والخيل لاتصالها بالحرب , ولاحظوا الأنواء والنجوم والرياح لعلاقتها بالكلأ والغيث , وليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر , وبرعوا في الأنساب والأخبار والأشعار , محافظة على عصبيتهم ,

(1) جورجي زيدان ـ تاريخ آداب اللغة العربية ـ دار مكتبة الحياة بيروت 1992 م ص 26

(2) جرجي زيدان نفسه ص 19 , 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت