وتحدثا بمفاخرهم , وتخليدا لمآثرهم , ومهروا في الفراسة والقيافة ووصف الأرض, لكشف الدعي فيهم وطلب الهارب منهم , ثم قادهم الجانب الروحي إلى الاعتقاد بالكهانة) [1] .
إذن لم يكن العرب بتلك السلبية , وتلك العيوب التي تستدعي إلى الذهن بمجرد التلفظ بكلمة (جاهلية) .
وحين نطالع آداب تلك الأمة العريقة لوجدناهم قد خطوا خطوات واسعة في الجانب الخلقي والتربوي. يقول الزيات (( ولو ساغ لنا أن نحكم على العرب بمقتضى لغتهم وأدبهم لوجدنا لهم نفوسا كبيرة وأذهانا بصيرة وحنكة خبيرة ومعارف واسعة كونوا أكثرها من نتائج قرائحهم وثمار تجاربهم , فإن لغتهم وهي صورة اجتماعهم لم تدع معنى من المعاني التي تتصل بالروح والفكر والجسم والجماعة والأرض والسماء وما بينهما إلا استوعبت أسماءه ورتبت أجزاءه ولعمري مايكون التمدن اللغوي إلا بعد تمدن اجتماعي راق في حقيقته ) ) [2] .
والجانب الأخلاقي شق مهم ـ بل في غاية الأهمية ـ في البنية الاجتماعية والتمدن والرقي الاجتماعي.
ومصطلح الأخلاق يعني في أبسط تعريفاته (( السلوك و الصفات سواء أخلاقية أو لا أخلاقية, أي السلوك المقبول أوغير المقبول، وهذا يعتمد على فكرة المعيار الاجتماعي ) ). ويحدد المجتمع أشكالا وأطرا بها تقاس اتجاهات السلوك, وتحدد على أساسها, كون السلوك مقبولا أو غير مقبول.
وهذه القيم الأخلاقية يعتنقها المجتمع وعلى ضوئها يصدر أحكامًا ينتج عنها تكوين القواعد الأخلاقية, أو ما يسمى بالنظام الأخلاقي. وهذا النظام لابد أن يكون ملزما لأفراد المجتمع في سلوكهم, وأي خروج عليه له تبعاته على الفرد.
ولننظر إلى أقوال (( زهير بن أبي سلمى ) )وهو يحدد مجموعة من القيم والأخلاق التي يجب الالتزام بها , ويحدد العواقب التي يمكن أن تنتج عن التخلي عنها:
• ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... *** يطيع العوالي ركبت كل لهذم
• ومن هاب أسباب المنايا ينله *** وإن يرق أسباب السماء بسلم
(1) احمد حسن الزيات ـ تاريخ الأدب العربي ـ دار نهضة مصر ـ القاهرة 1981 م ص 11,12
(2) احمد حسن الزيات ـ نفسه ـ ص 12