الصفحة 23 من 1472

لقد دفعت الخشية من ضياع الحديث وذهاب أهله الخليفة عمر بن عبد العزيز للعمل على تدوين السنة رسميا، كما أن ظهور الوضع في الحديث بسبب الخلافات السياسية والمذهبية كان عاملا آخر وراء تدوين السنة، والذي ساعد على ذلك كله هو نشاط التابعين في ذلك الوقت، وإجازتهم للكتابة بعد زوال الأسباب المانعة منها، فحرص العلماء على سلامة الحديث من أن يدرس ويذهب بذهاب أهله، لا يقل عن حرصهم على سلامته من الكذب والاختلاق.

كان هذان العاملان من أهم العوامل التي دفعت العلماء إلى خدمة السنة وكتابتها، وقد دعا الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى جمعها وتدوينها رسميا، حيث كتب إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاجمعوه. وكتب إلى أهل المدينة: انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم بذهاب أهله.

وجاء في كتابه إلى عامله على المدينة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم: اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبحديث عمرة فإني خشيت دروس العلم وذهابه.

كما أن هذا الخليفة أمر ابن شهاب الزهري وغيره بجمع السنن، وهو أحد الأعلام الذين كتبوا السنن وما جاء عن الصحابة أثناء طلبهم العلم، في حين أن بعض علماء عصره كان لا يكتب سوى الحلال والحرام، ويشهد لهذا قول أبي الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما يسمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس.

وها هو ابن شهاب يقول: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا.

ولم يقتصر جهد عمر بن عبد العزيز في جمع السنن على أمر من أمرهم من العلماء بجمع الحديث، وإنما أرسل كذلك كتبا إلى الأمصار يحث المسئولين فيها على تشجيع العلماء على دراسة السنة وإحيائها، كما جعل لأهل العلم نصيبا من بيت المال يسد حاجاتهم الحياتية؛ كي يتمكنوا من التفرغ للعلم وجمع الحديث، ثم نشره.

مما سبق نفهم أن التدوين الرسمي للحديث بدأ عند خلافة عمر بن عبد العزيز، وبطلب منه، وهذا لا ينفي تقييد الحديث قبل زمن عمر، فقد كان تقييد الحديث وحفظه في الصحف وعلى الرقاع والعظام منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ لم يكن التقييد على هذه الصورة منقطعا، كما مر بنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت