الصفحة 22 من 1472

ويروى عن كثير بن قيس أنه قال: كنت جالسا عند أبي الدرداء، في مسجد دمشق، فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء أتيتك من المدينة، مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فما جاء بك، تجارة؟ قال: لا. قال: ولا جاء بك غيره؟! قال لا. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:"من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض، حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".

ويروى عن مسروق أنه كان كثير الترحال، حتى قال عنه عامر الشعبي: ما علمت أن أحدا من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق. كما روي عن الشعبي أنه حدث بحديث، ثم قال لمن حدثه: أعطيتكه بغير شيء، وإن كان الراكب ليركب إلى المدينة فيما دونه.

هكذا كان العلماء يشجعون على الرحلة في طلب العلم، ولقد كانت لهم رحلات كثيرة لا يتسنى لنا ذكرها لكثرتها، ويكفي أن نذكر في هذا المقام ما كان لهذه الرحلات من فوائد ذات أثر بعيد في التحقق من الرواة، فبظل الرحلة يرى الراوي من يروي عنه ويقف على كثير من سيرته وأحواله، وكل ذلك يتم عن طريق سؤال أهل بلده والمخالطين له، وكانت هذه الأسئلة تتسم بالتشدد، حتى ليقال لهم: أتريدون أن تزوجوه؟

كذلك كان من فوائد هذه الرحلات معرفة طرق كثيرة للحديث الواحد؛ إذ يسمع الراوي من علماء البلد الذي رحل إليه، ما لم يسمع في بلده من زيادات في الحديث، أو تعارض في طرق الحديث الواحد، وما إلى ذلك.

كذلك كان من فوائدها التثبت من الحديث ونشره وجمعه، فقد ساعدت على المحافظة على السنة وجمعها بلا شك، فأصبحت السنة في الأقاليم المختلفة أشبه بالسنة في الإقليم الواحد؛ لتقارب عباراتها شيئا فشيئا حتى خيل إلى سامعها أنها رواية إقليم واحد.

وهكذا تعددت مراكز الحديث ومجالسه، وشهدت الأقاليم البعيدة، ما شهدته مكة والمدينة من نشاط علمي على يدي الصحابة، ثم التابعين، ومن جاء بعدهم.

المرحلة الرابعة: التدوين الرسمي للحديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت