فهرس الكتاب
لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان بينهم يسمعهم أقواله ويريهم أفعاله، يتأسون به في الصغير والكبير؛ فإن بعض الأقاليم الأخرى بدأت تتفرد هي الأخرى برواية بعض الأحاديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تشتهر بعدها على ألسنة رواتها في كثير من الأقاليم والبلدان الأخرى، ومن هنا كانت الرحلة في طلب الحديث، حيث لم يكن للرواة أن يقتنعوا بأخذ الحديث من أهل بلدهم، أو بأخذه من المدينة وحدها.
كذلك فإن الصحابة رضوان الله عليه وآلهم بعد عهد عمر توزعوا في الأمصار، ونقلوا في صدورهم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك كان لابد لمن أراد أن يجمع حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن ينتقل من بلد إلى آخر، ويسمع من الصحابة الذين سمعوا منه صلى الله عليه وآله وسلم ورأوه وأخذوا الأحكام عنه، ولقد كان هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يشجعون على الرحلة من أجل الحديث، وطلب العلم بوجه عام:
من هذا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغه الإبل لأتيته.
ومما يروى في حب صحابة رسول الله للارتحال من أجل طلب الحديث والتحقق من صحته، ما حدث به عطاء بن أبي رباح، قال: خرج أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر، يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيره وغير عقبة، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو أمير مصر فأخبره فعجل عليه، فخرج إليه فعانقه، ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيري وغير عقبة فابعث من يدلني على منزله، قال: فبعث معه، فقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غيري وغيرك في ستر المؤمن، قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:"من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة".فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة.
وكان الصحابي الجليل، جابر بن عبد الله قد ابتاع بعيرا، فشد عليه رحله، وسار شهرا حتى قدم الشام؛ ليسأل عبد الله بن أنيس عن حديث في القصاص.
وعلى هذا النهج، وبمثل هذا النشاط في الرحلة في طلب الحديث كان التابعون، فقد روي عن سعيد بن المسيب قوله: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد.