فهرس الكتاب
غير أن إحجام هؤلاء الصحابة عن الكتابة لم يدل على إهمالهم للسنة ومذاكرتها أو تدوينها عند زوال مانع الكراهة، حيث ثبت بعدها عن كثير من الصحابة الحث على كتابة الحديث، أو على الأقل استباحة تدوينه بعد أن زالت أسباب الكراهة، بل إن عمر نفسه الذي هم بجمع السنن، لم يكن يشك في جواز الكتابة، وإلا لما هم بفعل شيء منعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن إحجام عمر إنما كان لمانع يقتضي التريث في التدوين والجمع؛ ولذلك رأيناه يكتب بنفسه حين يأمن اللبس، ويثق بمن يكتب له، وربما سمع الفاروق بكتابة الحديث بعد أن رأى حفظ الأمة لكتاب الله تعالى، ورأى جمعه في المصحف الشريف، ويشهد لقولنا هذا قول عمر رضي الله عنه: قيدوا العلم بالكتاب.
كذلك فإن أبا بكر الصديق كتب إلى أنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد سبق لنا ذكر خبر صحيفة علي بن أبي طالب التي كانت تحتوي على أسنان الإبل، وشيء من الجراحات.
ولقد نهج التابعون نهج الصحابة الذين تلقوا عنهم، فمن الطبيعي أن تتفق آراء من سبقوهم من الصحابة حول حكم التدوين، فالأسباب التي حملت صحابة رسول الله على كراهة الكتابة، والعزوف عنها، في كثير من الأحيان، هي نفسها التي حملت التابعين عليها، ومن هنا فقد كره الجميع الكتابة ما دامت أسباب الكراهة قائمة، أما عند زوالها فالجميع يستبيحونها.
ولقد زادت كراهية التابعين للكتابة حينما اشتهر بينهم تدوين آرائهم الشخصية إلى جانب الحديث، فخافوا الالتباس، ومن هنا كرهوا الكتابة؛ خشية أن تختلط آراؤهم بالحديث الشريف، فهم إذا كرهوا أن تدون آراؤهم فتؤخذ مأخذ الحديث.
الرحلة في طلب الحديث:
مما لا ريب فيه أن الحديث نشأ نشأته الأولى في المدينة المنورة، حيث كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلقونه منه صلى الله عليه وآله وسلم ويتناقلونه فيما بينهم، ويلقنونه التابعين بعد ذلك، وظلت رحاب المدينة المنورة مقدسة عند طالبي الحديث ورواته، حتى إن أبناء الأقاليم الأخرى كانوا إذا حجوا بيت الله الحرام، وأتموا شعائرهم، ولوا وجوههم شطر المدينة يسمعون الحديث من أهلها، بل إن بعض الأئمة كان لا يرى بأسا في الاعتراف بأنه حج بيت الله ابتغاء سماع الحديث من محدثي الحجاز، وإذا كان أهل المدينة قد تفردوا برواية أكثر الأحاديث؛