فهرس الكتاب
ويكفي من أجل ما نحن هنا بصدده أن نقول: إنه نشأ من ذلك علم تام الفروع، غايته الوحيدة البحث في معاني أحاديث الرسول، وشكلها، وطريقة روايتها.
ولقد استطاع هذا العلم في الناحية التاريخية أن يوجد سلسلة متماسكة لتراجم مفصلة لجميع الأشخاص الذين ذكروا عن أنهم رواة أو محدثون، إن تراجم هؤلاء الرجال والنساء قد خضعت لبحث دقيق من كل ناحية، ولم يعد منهم في الثقات إلا أولئك الذين كانت حياتهم وطريقة روايتهم للحديث تتفق تماما مع القواعد التي وضعها المحدثون، تلك القواعد التي تعتبر على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة. فإذا اعترض أحد اليوم من أجل ذلك على صحة حديث بعينه أو على الحديث جملة، فإن عليه هو وحده أن يثبت ذلك"."
الشبهة الثامنة: نقد المحدثين لا يتعدى إسناد الحديث ...
قال غاستون ويت:"وقد درس رجال الحديث السنة بإتقان إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض"، ثم قال:"لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول مشافهة ثم جمعه الحفاظ ودونوه إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن، لذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن رسول الله، من غير أن يضيف إليه الرواة شيئا عن حسن نية في أثناء روايتهم الحديث".
الرد
لقد اهتم علماء الحديث اهتماما بالغا بدراسة متن الحديث، واستوفوا تلك الدراسة، وبذلوا قصارى جهدهم في العناية به بحيث لا يوجد مزيد على ما قدموه.
ولقد كان الهدف الذي يسعون إليه من دراسة الإسناد ونقده وهو تمييز صحيح الحديث من ضعيفه وحماية السنة من العبث والكيد، كان ذلك مرتبطا ارتباطا وثيقا بنقد المتن، وقد بينا أن توثيق الراوي لا يتم إلا بثبوت عدالته وضبطه، وهذا الأخير إنما يعرف بمقارنة مرويات الراوي مع مرويات الثقات الآخرين.
ومن الثابت الذي لا جدال فيه عند المحدثين أن صحة إسناد الحديث لا تعني بالضرورة صحة الحديث؛ لأن من شروط الصحيح ألا يكون شاذا ولا معللا، والشذوذ والعلة يكونان في السند كما يكونان في المتن، فقد يصح إسناد حديث ما ويكون في متنه علة قادحة تقدح في صحته، وهكذا الشذوذ؛ ولذا لم تكن دراستهم قاصرة على الأسانيد، وإنما بحثوا في علل المتون وشذوذها، وجمعت أبحاثهم هذه في علل المتون والأسانيد في مصنفاتهم من كتب العلل وهي كثيرة.