فهرس الكتاب
وروينا عن أبي عبد الله البخاري - صاحب الصحيح - أنه قال: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وبنى الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي على ذلك: أن أجل الأسانيد الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه: لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي، رضي الله عنهم أجمعين، والله أعلم.
الثانية: إذا وجدنا فيما يرو من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان. فآل الأمر إذا - في معرفة الصحيح والحسن - إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة، التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف، وصار معظم المقصود - بما يتداول من الأسانيد خارجا عن ذلك - إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، زادها الله تعالى شرفا، آمين.
الثالثة: أول من صنف الصحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي، مولاهم. وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري، من أنفسهم. ومسلم - مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه - يشاركه في أكثر شيوخه.
وكتابهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز. وأما ما رويناه عن الشافعي رضي الله عنه من أنه قال: ما أعلم في الأرض كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك - ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ - فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم.
ثم إن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحا، وأكثرهما فوائد. وأما ما رويناه عن أبي علي الحافظ النيسابوري - أستاذ الحاكم أبي عبد الله الحافظ - من أنه قال: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج. فهذا - وقول من فضل من شيوخ المغرب كتاب مسلم على كتاب البخاري - إن كان المراد به: أن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسرودا، غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري في تراجم أبوابه من الأشياء التي لم يسندها على الوصف المشروط في الصحيح، فهذا لا بأس به. وليس يلزم منه أن كتاب مسلم أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح على كتاب البخاري. وإن كان المراد به: أن كتاب مسلم أصح صحيحا، فهذا مردود على من يقوله. والله أعلم.
الرابعة: لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما، ولا التزما ذلك.