الصفحة 81 من 1472

ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده: ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق". تفرد به أبو زكير، وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم في كتابه، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده، والله أعلم.

النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد

هذه أمور يتداولونها في نظرهم في حال الحديث، هل تفرد به راويه أو لا؟ وهل هو معروف أو لا؟

وذكر أبو حاتم محمد بن حبان التميمي الحافظ رحمه الله: إن طريق الاعتبار في الأخبار مثاله: أن يروي حماد بن سلمة حديثا لم يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فينظر: هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وجد علم أن للخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك: فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة. وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا.

قلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد، فهذه المتابعة التامة، فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي هريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا، لكن يقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا.

فإن لم يرو ذلك الحديث أصلا من وجه من الوجوه المذكورة، لكن روي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة، فإن لم يرو أيضا، بمعناه حديث آخر فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ. وينقسم عند ذلك إلى مردود منكر وغير مردود، كما سبق.

وإذا قالوا في مثل هذا: تفرد به أبو هريرة، وتفرد به عن أبي هريرة ابن سيرين، وتفرد به عن ابن سيرين أيوب، وتفرد به عن أيوب حماد بن سلمة، كان في ذلك إشعار بانتفاء وجوه المتابعات فيه.

ثم اعلم: أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضعفاء. وفي كتاب البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت