الصفحة 96 من 1472

وكل هذا يخرم الثقة بالراوي وبضبطه.

وورد عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدي وغيرهم: أن من غلط في حديث وبين له غلطه، فلم يرجع عنه وأصر على رواية ذلك الحديث، سقطت روايته ولم يكتب عنه. وفي هذا نظر، وهو غير مستنكر إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك، والله أعلم.

الرابعة عشرة: أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، فلم يتقيدوا بها في رواياتهم، لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم، وكان عليه من تقدم.

ووجه ذلك: ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها. فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده. وليكتف في أهلية الشيخ بكونه: مسلما، بالغا، عاقلا، غير متظاهر بالفسق والسخف، وفي ضبطه: بوجود سماعه مثبتا بخط غير مهتم، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه.

وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى، فإنه ذكر فيما روينا عنه توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه، الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم.

ووجه ذلك: بأن الأحاديث التي قد صحت، أو وقعت بين الصحة والسقم، قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث. ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم، لضمان صاحب الشريعة حفظها.

قال البيهقي: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم: فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره. والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله أعلم.

الخامسة عشرة: في بيان الألفاظ المستعملة بين أهل هذا الشأن في الجرح والتعديل. وقد رتبها أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتابه في الجرح والتعديل فأجاد وأحسن. ونحن نرتبها كذلك، ونورد ما ذكره، ونضيف إليه ما بلغنا في ذلك عن غيره إن شاء الله تعالى.

أما ألفاظ التعديل فعلى المراتب:

الأولى: قال ابن أبي حاتم: إذا قيل للواحد إنه ثقة، أو: متقن فهو ممن يحتج بحديثه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت