الصفحة 2 من 4

ما ترك القرآن فصاحة لأحد، ولما مر بعض أئمة اللغة بالبادية قديمًا، عندما كانت العربية سليقة سليمة، فسمع جارية تقول كلمات بليغة، فقال: ما أفصحك! قالت: وأي فصاحة بقيت بعد فصاحة القرآن، إنه جمع في آية واحدة بين خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين، فقال الله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

لما مر بعض أئمة اللغة بالبادية قديمًا، عندما كانت العربية سليقة سليمة، فسمع جارية تقول كلمات بليغة، فقال: ما أفصحك! قالت: وأي فصاحة بقيت بعد فصاحة القرآن، إنه جمع في آية واحدة بين خبرين، وأمرين، ونهيين، وبشارتين، فقال الله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

سورة القصص 7. الخبر الأول أوحينا إلى أم موسى، الثاني إذا خفت عليه فألقيه، فهذا خبر أنها ستخاف فماذا ستفعل إذا خافت، الأمر الأول أرضعيه، الثاني ألقيه، النهي الأول لا تخافي، الثاني لا تحزني، البشارة الأولى إنا رادوه إليك، والثانية وجاعلوه من المرسلين، عباد الله! حكاية عن نملة في القرآن، لمّا ذكر الله سبحانه وتعالى عن إتيان سليمان وجنوده في ذلك الوادي قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَسورة النمل 18. يا نادت، أي خاطبت، ها نبهت، النمل عمت، ادخلوا أمرت، مساكنكم خصت، لا يحطمنكم حذرت، سليمان وجنوده سمت، وهم لا يشعرون أعذرت، ذكرت عذر نبي الله سليمان، وحتى في ترتيب الكلمات في السياق، فإن للترتيب مدلولات عظيمة، هذه أربع كلمات في معرض بيان قبح الفاحشة وسوء الزنا، امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَاسورة يوسف 30. امرأة، قبح الفاحشة من المرأة أشد مع أنه من الرجل قبيح أيضًا، امرأة العزيز، إذًا هي متزوجة وقبح الفاحشة من المتزوجة أشد مع أنها من البكر قبيح أيضًا، تراود، العادة أن الرجل طالب والمرأة مطلوبة، فإذا صارت المرأة طالبة والرجل مطلوب دل ذلك على قلة حياءها وذهابه؛ لأنها صارت هي التي تراود، وهي التي تطلب، مع أن قبح الفاحشة من الرجل الطالب شديد أيضًا، فتاها، فهي لم تراود شخصًا في مثل طبقتها الاجتماعية مع أنها لو فعلت لكان قبيحًا وحرامًا أيضًا لكنها راودت مَن؟ فتاها، وعبدها، وغلامها، وخادمها، وذلك الغريب المستضعف، تراود فتاها، كيف عبر لنا عن قبح الفاحشة، وعن سوء تلك الفعلة بهذه الكلمات الأربع، تدبر كل واحدة وما تدل عليه، يا مسلم! يا عبد الله! عجب عجاب في القرآن، يشبه لنا شجرة الزقوم وهي غيبية بالشيطان وهو غيبي أيضًا، غاب عنا، ما رأيناه ولا سمعنا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْسورة الأعراف 27. فقال الله عن شجرة الزقوم التي تخرج في أصل الجحيم طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِسورة الصافات 65. نحن ما رأيناها ولا رأيناهم، فكيف شبه لنا غيبيًا بغيبي؟ قال العلماء: لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر، ولذلك إذا رأوا قبيحًا قالوا كأنه شيطان، بخلاف ما لو رأوا رجلًا، أو شخصًا في البهاء والجلال والجمال قالوا كأنه ملاك، كما قالت النسوة عن يوسف عليه السلام مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌسورة يوسف 31. فلما استقر في النفوس قبح الشياطين كان كافيًا في التشبيه للتنفير أن يذكر لنا بأن شجرة الزقوم طلعها كأنه رؤوس الشياطين، جعلناها فتنة للظالمين، لماذا؟ لأنه سيخرج من يخرج من الملاحدة ويقول شجرة في النار كيف لا تحترق، ما عند الملاحدة شيء يقال معه الله على كل شيء قدير، والملاحدة يخترعون قاعات محاضرات مضادة للحريق، وجلود مضادة للحريق، وحيطان مضادة للحريق، هذا ما عندهم فيه إشكال، لكن شجرة في أصل الجحيم هذه مشكلة كبيرة عند هؤلاء السفهاء، أنتم المخلوقون تخلقون بما علمكم الله أشياء لا تأكلها النار مضادة للحريق، ثم تستكثرون على الله أن يخلق في النار شجرة مضادة للحريق، انظروا إلى هذا القرآن وما فيه، الحروف على أي شيء تدل وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَسورة الضحى 5. اللام للتأكيد، وسوف للمستقبل، ولم يذكر ماذا سيعطيه؟ ولسوف يعطيك؟ ماذا يعطيك؟ لم يذكر؛ دلالة على الخير الكثير الذي سيعطيه، زوجة، أولادًا، أتباعًا، شرفًا، ذكرًا، ملكًا عظيمًا، دولة، دينًا منتشرًا في الأرض، أحكامًا، كتابًا، فخرًا وشرفًا، وليس في الدنيا فقط، وفي الآخرة، ففي الدنيا أولادًا، وزوجات، وأصحابًا صالحين، وفي الآخرة جنة، ومقام عظيم، ونهر الكوثر، وأول من يدخل الجنة وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىسورة الضحى 5. للنبي عليه الصلاة والسلام، أحيانًا المفرد يكون أكثر دلالة من الجمع، مع أن العادة أن الجمع دلالته بكثرة أوضح، لكن رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةًسورة البقرة 201. نكر الحسنة هذا التنكير ولم يذكر معها أل التعريف، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، هذا التنكير يدل على التعميم، حسنة الزوجة الصالحة، حسنة الرزق الرغيد، حسنة الأولاد البررة، حسنة الذكر الحسن بين الناس، حسنة المسكن الواسع رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةًسورة البقرة 201. لكنها في الحقيقة تشتمل على شيء كثير، وهذا كما قال الله: رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِسورة هود 73. رحمة الله واسعة جدًا ما يقول رحمات، رحمة الله، أما البركات: فالبركة فيها الكثرة، والبركات: بركة في إثر بركة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت