الصفحة 1 من 5

ولكل أمة جعلنا منسكًا

أحكام الأضحية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله:

هذه عشركم المباركة العظيمة، التي يحب الله فيها العمل الصالح، ولا يوجد عشر في السنة أفضل منها أبدًا، بل هي أفضل أيام العام، ولله شعائر وهي: المعالم البارزة الظاهرة، منها الزمانية: كعشر ذي الحجة، ومنها المكانية: كالبيت العتيق، وعرفة، ومزدلفة، وكذلك هذه الجمرات التي ترمى لذكر الله عز وجل، ونحوها من الأماكن التي أمر الله بإتيانها وهي أماكن محدودة.

معاني آيات حج بيت الله العتيق من سورة الحج.

في عشرنا هذه تجتمع الشعائر الزمانية مع الشعائر المكانية في هذه العبادات العظيمة؛ ولذلك صارت هذه الأيام أفضل أيام السنة، قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا أي: عينا وحددنا، أخبرنا إبراهيم وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ عيناه له، فمكان البيت عليه تدور الأحكام العظيمة، ليس بنيانه فقط، وإنما الأساس مكانه، فلو ارتفع البنيان لأي سبب طاف الناس بالمكان، حدود هذه الكعبة، وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ليبنيه على اسم الله سبحانه وتعالى وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا فقد بني على اسم الله، وبني على توحيد الله، بعيدًا عن الشرك، لم يكن فيه شرك لأحد، وإنما خالصًا لله عز وجل، فهذا البيت للتوحيد، وعلى التوحيد بني، فليس له حظ للمشركين، ليس فيه نصيب لعباد الأوثان، وكل من يدعو أحدًا من دون الله لا مكان له عند البيت، الذي يدعو نبيًا، أو وليًا، أو جنًا، أو كوكبًا، أو صنمًا، لا مكان له عند البيت؛ لأن البيت بني على التوحيد، وأسس على التوحيد، ومن أول يوم كانت القضية واضحة أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ طهره من الأنجاس والأرجاس، المعنوية والحسية، فأما النجاسات المعنوية فعلى رأسها الشرك إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ سورة التوبة 28. وكذلك طهره من النجاسات الحسية والأقذار، لماذا؟ لتكون العبادة فيه مستقيمة، ويكون الإكرام لهؤلاء الذين جاؤوا من أجل البيت؛ ولذلك فإن خدمتهم قربة إلى الله، وإن إعانتهم على العبادة عبادة، ولذلك قال الله عز وجل: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ الذين يطوفون به، لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ أي: العاكفين، فالقيام على الشيء هو عكوف عليه وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ العاكفين على هذا البيت، الذين جاوروه للعبادة، أتوا للعبادة، استقروا حوله للعبادة، يستحقون الخدمة والإكرام، وتطهير البيت من أجل أعمالهم الصالحة التي يتقربون بها إلى الله وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ سورة الحج 26.أي: الذين يصلون فيه، فمن طائف، ومعتكف، ومقيم ملازم مجاورٍ، ومصلٍ راكع وساجد؛ من أجل هذه الأعمال العظيمة تكون خدمة البيت، وتطهير هذا المكان المبارك، من أجل هذه العبادات التي هي توحيد لله عز وجل وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ الأذان رفع الصوت، الإبلاغ، وأذن يا إبراهيم يا خليل الله وَأَذِّن فِي النَّاسِ في جميع أنحاء العالم بالحج، مَن كان معه عند البيت؟ لم يكن إلا نفر قليل، هم الذين سيسمعون لو نادى، فكيف سيسمع البقية وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ تعجب الخليل! مَن الذي سيسمع ليأتي؟! ولكن الله على كل شيء قدير، يبلغ الصوت إلى أقصى المدى، لم يكن ثم أجهزة اتصال، ولا إرسال عند الخليل عليه السلام، ولكن الله على كل شيء قدير، فقد بلغ صوت الخليل حتى قيل: سمعته الأجنة في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، وتواضعت الجبال فوصل صوت الخليل ما وراءها إلى أنحاء العالم، فلم يبق بشر في الأرض إلا وسمع، فهذا تبليغ الصوت إلى كل أحد، من المعجزات التي أكرم الله بها الخليل وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ سيستجيبون لهذا النداء، وليس في زمنه فقط، وإنما إلى قيام الساعة ستكون الاستجابة، ويأتي الناس أفواجًا لحج البيت العتيق من كل فج عميق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت