-إن كان الخيار لزومًا بين الفقر والغنى فالفقر للأمة خير من الغنى، مع أن خير المنازل الكفاف كما كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا ) )،ذلك وإن كان للفقر وقلة ذات اليد أمراض يورثها في أصحابه، إلا أن الغنى شره أعظم في واقع الأمة ومآلها، فمن أعظم أمراض الفقر ما يصيب صاحبه من اضطرار السؤال حينًا، أو قبول الصدقات، وهذا فيه قهر للنفس على وجه الاذلال وتوطينها على الانكسار أمام الناس ذلك لأن اليد السفلى يد مهينة على وجه من الوجوه، لكن هذه الأمراض لها علاجها داخل المجتمع المسلم، اذ أن حقيقة الزكاة والصدقة في دين الله أنها حق للفقير من مال الغني، ولذلك إن منعها أخذت منه بالقوة والاجبار، بل إن قاتل على منعها قوتل على الردة عند بعض أهل العلم، فهذا التصور الاسلامي لحقيقة الزكاة فيه منع نفوس الأغنياء من البطر والكبر والترفع على الفقراء، كما أن الزكاة تمنع السؤال الذي يوجب المهانة والصغار، فإن أداء الأغنياء للزكاة يحقق الكفاية للفقراء من غير اضطرار السؤال، كما أن تطبيق الزكاة عمليًا وهو اداءها للسلطان وسيطًا بين الغني والفقير يمنع ما يقع عادة من مظاهر مهينة.
في المقابل ما يكون في قلوب الفقراء والمساكين من انكسار يمنع الكبر والبطر والغرور عو ما جعلهم دومًا مادة قبول الحق والإذعن له، اذ أن هذا الانكسار هو مادة التواضع والخضوع ولين القلوب، بخلاف أهل الترف فهم مادة الاعراض والتكبر وترك قبول الحق وعدم الاذعان له كما قال تعالى (( وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بالذي أرسلتم به كافرون ) )وقال تعالى (( وكذلك ما أتى الذين من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) )، وقول المترفين هذا سببه هو أن الآباء والأجداد هم عمدة هؤلاء المترفين عادة في تحصيل الثراء بثراء آخر، والاسلام لا يوجد فيه البتة موجب النسب سببًا للثراء واكتساب المال، وهذا خلاف الإرث، فإن الممنوع والباطل هو أخذ الأموال من الناس بموجب النسب كما يفعل الأفطاعيون ومن على طريقتهم، كما أن المترفين يرفضون جديد الحق والاسلام لأنه يحقق ميزانًا جديدًا في تقديم الناس وتأخيرهم ففي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى سلمان وصهيب وبلال رضي الله عنهم في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها. قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: (( يا أبا بكر أغبتهم؟! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ) )فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. فما يحقق الاسلام من ميزان السبق والبلاء في الطاعات بدل ميزان المال والسلطة ينفر أهل الترف منه.
-قوله صلى الله عليه وسلم (( ما الفقر أخشى عليكم ) )هل هي الخشية المنفية هنا الخشية القدرية أم الشرعية؟ ومعنى ذلك أنها لو كانت الخشية قدرية فإن في ذلك اخبارًا أن الأمة بمجموعها لن تصاب بعده بالفقر لما أعلمه الله بذلك، وإن كانت الخشية شرعية فإن في هذا معنى تحقيق الفقر خير للأمة من الغنى لما يخشى بسبب الغنى من الشر.
والحديث بين أن المقصود بذلك هو الخشية الشرعية، ففي ذلك بيان شر الغنى على الأمة وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما حذر منه أمته في أيامه الأخيرة من التنافس على الدنيا، ذلك لأن هذا هو الشر العظيم الذي يقطع أوصال الأمة ويهلكها، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموال ثم طلع المنبر فقال:- إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد،