الصفحة 10 من 36

إن ما هو مطلوب لتحقيق الحضور الفاعل الوارث هو تغيير وجهة الأمة، وتغيير وجهتها يكون ملازمًا لبنائها، لأن هذا هو منطق سيرورة الحضارات وتاريخها، فهي تبنى داخليًا وخارجيًا في ظرف واحد، اذ لا يوجد في الوجود الانساني الجماعي منطق بعضهم: الفرد فالأسرة فالمجتمع، فالدولة فالعالم، اذ كل هذا احلام وأهوام تتدثر بلغة الفكر الجميل الذي يبهر الأطفال والمبتدئين، ومن درس سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في تحقيق حضارة الاسلامرأى أنه لا يوجد أولًا وثانيًا؛ أي الداخل والخارج، بل كان وجود الحضور الخارجي ملازمًا للبناء الداخلي معًا.

هذا الزهد وشظف العيش مناقض للثرثرة الكلامية، بل ما يوافق قلة الموارد والغزو والحضور هو دين سهل لا تعقيد فيه، فلا وجود لفلسفة ولا لمنطق صناعي ولا لثرثرة مبطلين، ذلك لأن هذا مرتبط وجوديًا مع الكسل وضعف الارادة، فمن سمات انهيار الحضارات انتشار شهوة الحديث والكلام سواءً بسواء مع انتشار شهوة البطن والفرج.

الحديث عن حب الدنيا وكراهية الموت، كما الحديث عن الشهوات والأهواء في عالم الفكر الاسلامي لا وجود له، بل وجوده محصور في نطاق الوعظ وكلام القصاص، ذلك لأن (( المفكرين ) )يرون أن المشكلة فكرية، أي ذهنية لا تعلق لها بالارادة ومعوقاتها، ولذلك فلا عجب أن نرى أن أشد الناس حرصًا على الدنيا وشهواتها، وأكثر الناس قلة مراعاة للزهد وواقعه هم أصحاب (( الفكر الاسلامي ) )،بل إن بعض هؤلاء يرون أن شرط انتصار (( الحركة الاسلامية ) )كما يسمونها يكون بسلوك الآخرين من تحقيق ما يسمونه (( الاكتفاء الاقتصادي ) )،وهو عندهم له معنى غير معنى (( الكفاف ) )الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل معناه تحقيق الثراء، لأن بعضهم يرى أن العالم محكوم بأصحاب الأموال، فلنحكم نحن هذا العالم بالمال اذًا.

تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من بسط الدنيا ليس لخصوصية الاسلام مع الدنيا كما يظن البعض، بل لأن هذا قانون وجودي سنني مضطرد، فإن الترف مرض الأمم جميعًا مسلمها وكافرها، وهو علّة الانتكاسة نحو الداخل وحصول التنافس والتباغض، فالقتال، فالتشتت والاندثار.

القليل من الفكر، والكثير من الارادة، كما القليل من الدنيا، والكثير من الوعود يتحقق لأي أمة من الأمم الحضور الفاعل، والعكس صحيح، فالكثير من الكلام في الفكر وتشقيقاته، وضعف الارادة، وبسط الدنيا وموت الوعود هي أسباب اندثار الحضارات وسقوطها، وهي أسباب موت الشعوب والأمم.

(( أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، لكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت