الصفحة 9 من 36

إن شرط الحضارة هو الغزو، إذ لا تقع الحضارة كما تقدم إلا بغلبة، ولامتداد فاعلية الاسلام وتحقيق غلبته وعزته التي هي قدر هذا الدين كما قال تعالى (( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) )جعل الله سبحانه وتعالى حياة الأمة الاسلامية وعملها الذي تصطبغ به إنما هو الجهاد في سبيل الله تعالى، فهو مصدر رزقها، وهو باب جنتها يوم القيامة، وهو حياتها كما قال تعالى (( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) )أي الجهاد، فالجهاد ليس فعلًا مؤقتًا بوقت بل هو بالنسبة لهذه الأمة هو الوجود والحياة، فمن رأى الأحكام المترتبة عليه من حل الأموال والفروج والأراضي والنفوس علم أن هذه الشعيرة هي أعظم بل وأكرم ما تبنى عليه حياة هذه الأمة.

هذا الأمر العظيم له معوقات منها ما هو في افساد ارادة الأمة، وأخبثها (( حب الدنيا وكراهية الموت ) )أي ضعف ذكرى الدار الآخرة، ومنها ما هو بسبب الظرف السنني الوجودي؛ وهو رغد العيش وبسط الشهوات، وقد تبين من دراسة نشوء الحضارات أنها لا يمكن أن تنشأ في بيئة مترفة، لأن الترف كسل، والكسل يعني غياب الارادة وموت الهمم، ومن غير ارادة وتحدي الصعاب لا تكون حضارات.

ابن خلدون في مقدمته يرى أن الدول في أول نشوتها تكون بعيدة عن الترف، وهذا حق، فإذا لحق بها الترف بدأت بالأفول والذهاب وهذا حق كذلك لاشك فيه، فبيئة نشوء الحضارات هي الشدة والزهد، وكما أن الزهد وشدة الحياة اختيار أفراد لنوع حياتهم الخاصة فكذلك الزهد وشظف وقسوة الحياة اختيار دول وأمم، فالدول المترفة يقودها الملأ داخلها إلى السكون والترف، لخوفهم الشديد القاهر من ذهاب دنياهم ومباهجها، وهو خوف لا يذهب ارادة الانبعاث والغزو فقط لكنه ينشئ قيمًا خاصة عمادها البخل الذي يفضي للتنافس وقطع الروابط والأواصر الاجتماعية المهمة في البناء الوجودي الحضاري، وبهذا يتحقق بهذا الترف دمار خارجي وانهيار داخلي، وحين يتحقق هذا فإن كل محاولة للاصلاح الداخلي هي مجرد تسكينات في أحسن حالاتها، لكنها لا يمكن أن تحقق الوجود الفاعل.

البناء الاسلامي بناء متكامل، لا يمكن أن يضعف منه شق إلا لحق الضعف بتبعية الجوانب، وحين تكبر الآمال والطموحات فوق التصور العلمي لواقعها فإنها تتحول إلى مجرد خيالات وأوهام، بل وأمراض، ومثال ذلك ما يعيشه المسلمون في تصوراتهم من مشاعر العزة الفريدة، وما يعتقدونه من وجوب الخلافة التي تنشر العدل والخير في الناس أجمعين، فوجود هذه التصورات العقائدية عند المسلم المصدِّق بهذه الوعود دون وجود تصور علمي لتحقيق ذلك يكون مجرد وجودها وهم، فلن يكونوا هم أهل تلك الوعود ولا أصحابها، وتزداد الأوهام مرضًا فاتكًا إذا كان في أذهان هؤلاء تصور مخطئ لتحقيق هذه الوعود، فحين تسعى جماعات الاصلاح الاسلامية سعيًا حثيثًا في تحقيق هذه الوعود، وتجيش الأتباع والجموع على وقعها، ثم هي تسير بهم سير المبطل لها تكون قد أضرت بوعود الاسلام أكثر مما نفعتها، فهذا السعي الحثيث لتحقيق (( الدنيا ) )واصلاحها ضمن أحزاب سياسية أو مؤسسات اجتماعية هو في حقيقته سير باتجاه سهم ذهاب الحضارة الفاعلة لو كانت موجودة، وهذا لا يمكن أبدًا أن يحقق وجود الحضارة المفقودة.

لقد تعامل هؤلاء (( إن أحسنا بهم الظن ) )في اصلاح عالم الاسلام اليوم تعامل المصلح مع البناء الحاضر المكتمل لأمة الاسلام وحضارته، وكأن ما ينقص الأمة هو تكميل لمحاسن الأمة الموجودة، أو ترميم لما تعمله عوامل التعرية والتوهين، مع أن بناء الأمة الحضاري الفاعل الوارث لا وجود له، بل ما هو موجود هو الضد له، فالأمة موروثة مغلوبة، وهي كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قصعة ) )تداعي الأكلة عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت