الصفحة 8 من 36

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة ولاسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد؛

فقد روى البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه:- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم، ثم قال:- أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ قالوا: أجل يا رسول الله. فقال:-

(( أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ) ).

كلمة الحضارة مشتقة من الحضور، وهي وإن كانت في العرف العربي تقابل البادية إلا أنها صارت اليوم دلالة على أمة من الأمم لها وجود خاص باهر، لأن كلمة حاضر في اللغة تعني الحي العظيم، وهكذا لا تطلق الحضارة إلا على أمة عظيمة في كيانها المعنوي والمادي، وشرط هذا الكيان هو الحضور؛ أي الفاعلية، لكنها فاعلية غالبة قاهرة، لأن هذا هو سمة الحضارات، فمن غير حضور غالب تفقد الحضارة سمتها في التأثير والوراثة، ودافع الأمم للحضور والغلبة والوراثة يكون بسبب العقائد والظرف السنني الوجودي، فشعور أمة من الأمم بخيريتها أو باعتقادها لدين دعوي يدفعها لهذا الحضور وهذه الغلبة وهذا التأثير، كما أن قسوة الحياة وقلة مواردها يلقن هذه الأمم قوة الإرادة للخروج إلى آفاق جغرافية أخرى لتحقيق الرخاء ورغد العيش.

هذان السببان؛ الاعتقاد والظرف السنني الوجودي بينهما تأثير تبادلي سلبًا وإيجابًا، فعقيدة استعلائية أو دعوية دافع داخلي لتحقيق الحضور والغزو، وغياب هذه العقيدة لا يحقق أبدًا الحضور ولا البناء الحضاري الفاعل، كما أن رخاءً وبسطة عيشٍ ورغدًا تضعف أصحاب العقائد الفاعلة من تحقيق ارادتها بالحضور والتأثير والغلبة، ولذلك جاء تحذير المصطفى صلى الله عليه وسلم من بسط الدنيا عليها كما في هذا الحديث الشريف الذي نحن بصدد شرحه.

الزهد والفقر والغنى أحوال شرحت في كتب السلوك والأخلاق، وفي كتب الوعظ والإرشاد بما يتعلق بالفرد تجاهها، ولا أعلم كتابًا يحكي عن أثر هذه المعاني والظروف على وجهة الأمة الاسلامية ووجودها الحضاري الفاعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت