الصفحة 13 من 36

لقد كان العصر الأموي عصرًا عظيمًا، فيه الانجازات والبناء لأن أكثر خلفائه كان همهم هو الهم الأول في الدفع نحو الخارج، وهو في واقعه تحصين للداخل كذلك، وهذا ليس حديثًا عن النوايا فالحضارات لا تبنى ولا تدوم بالنوايا لكن بالفعل والارادة.

في الوقت الذي توقف الدفق نحو الخارج، وسكنت الأمة لذاتها، وصار البناء الداخلي للمدن وشعوبها يقوم على الترف والزخرفة، وهي لحظات في الزمن تعد عند البعض (( أزمنة حضارية ) )راقية، تمدح بها الحضارات، ويعد هذا الترف والزخرفة هو مظهر الحضارة الحقيقي هنا يكون الانهيار قد بدأ.

لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر أن -ستفتح كسرى وقيصر، وستنفق أموالهما في سبيل الله، وهذا الذي تحقق في الدفق الايماني نحو الخارج، إذ كانت الغنيمة غامل امداد لقوة أكبر، لكن في لحظات التراجع صار الغزو مع قلته جلبًا للغانئم لتنفق على الشهوات والترف والزخرفة، وبذلك تحققت القطيعة بين الولايات الاسلامية، فبدأ غرور القوة والحسد على الغنيمة يدفع السلاطين والأمراء للإستقلال عن المركز، فبدأ مرض التنافس والحروب على النفوذ وما يتبعه من دنيا فبدأ وهن الأمة.

أمراض الأفراد في المجتمعات أمر قدري، فكل مجتمع مهما بلغ طهر أهله فلابدّ من ظهور أمراض خلقية واجتماعية وبدع دينية، فلا وجود لمجتمع بريء خالص من ذلك أبدًا، ولو أراد امرئ أن يجمع ما وقع في مجتمع الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخفاء الراشدين من أحداث في هذا على طريقة كتاب الأغاني للأصفهاني لظن القارئ أن هذا مجتمع لا يمت إلى الصلاح بصلة، ولو جمعت أخبار الأمور الصالحات في المجتمع لظن القارئ لأن هذا مجتمع ملائكي لا ذنوب فيه، والمجتمع الاسلامي مجتمع انساني في فرده وأسرته، فأي محاولة لربط انهيار (( الحضارة ) (( الأمة ) )بأعمال الأفراد هو جر للهامش ليكون أصلًا، لأن الذي يذهب الأمم هو غياب صبغتها الكلية وانحراف توجهها لا ممارسات جزء من أفرادها في داخلها على وجه خاص شخصي، فأي حديث عن أخطاء داخلية تتعلق بالسلوك في تفسير غياب مفهوم الأمة وذهاب الحضارة الاسلامية هو تفسير غير مصيب، لكنه يجد القبول عند الناس لأن الأمة بعمومها تدرك هذه الذنوب، وقد صنفت فيها كتب كثيرة ككتب الكبائر والصغائر وكتب البدع، لكن لا يدرك الكثير (( الذنب الجماعي ) )أي ذنب الأمة في تركها لواجبها في أداء مهمتها في هذه الحياة.

هذا لا يعني أبدًا أن انتشار الخبث في الأمة لا يحقق دمارها وذهابها، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم: إذا كثر الخبث ) )، والجمع بين هذه الآية وقوله تعالى في سورة هود:- وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون )) بين واضح، فالصلاح الذاتي الساكن لا يمنع انتشار الخبث، وبالتالي لا يمنع الهلاك والدمار، لكن ما يمنع الهلاك هو منع الخبث وهو الاصلاح، وهو فعل نحو الخارج في داخل الصف الواحد، والجهاد في سبيل الله هو من نوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعكس صحيح، فالفاقرة هي السكون والانتكاسة نحو الداخل بسبب حب الدنيا وكراهية الموت، وعلى ذلك بسط الدنيا والترف وكثرة الشهوات.

لقد بدأ غياب الأمة ووهنا عندما غابت الأمة عن الحضور نحو الآخر، فانشغل أئمة الولايات والدول بالحفاظ على ما هم فيه، والتوسع على حساب الذات- وهو الآخر المسلم- فصارت الأمة تبلع ذاتها، وتهضم وجودها، وهم بهذا الواقع يتنافسون في البناء الداخلي على وجه الترف والزخرفة، اذ يعتبرون هذا البناء هو ما يحقق لهم الخيرية والاستعلاء على الآخرين، وهذا هو قوله صلى الله عليه وسلم:- (( تبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت