فتهلككم كما اهلكتهم )) فهو حديث لا يتكلم عن تنافس أفراد المجتمع وإن كان هذا المعنى داخلًا فيه، لكنه حديث عن طبيعة الأمة وصبغتها الكلية ووجودها العام.
-قيمة هذا الحديث في زماننا لا عادة الأمة ومفهومها ووجودها الفاعل في أمور متعددة، بل هذا الحديث أصل من أصول الاصلاح وإزالة هذه الغربة، وهي الغربة الثانية لدين الله تعالى ومن ذلك:-
-لا يمكن أن يكون سبب الفساد هو عينه سبب الصلاح، فبسط الدنيا هو سبب الفساد، فمن العجب أن يسعى بعض المصلحين إلى التوسعة والترف عنوانًا لابدّ منه لجماعات الاصلاح، وهؤلاء لهم حيل نفسية عجيبة، فهم يوهمون أنفسهم وأتباعهم أن ما يسعون إليه من دنيا إنما هو لخدمة الدين، وما نهي عنه هو الدنيا للدنيا، والكثير من التجارب لهؤلاء دلت أن بعد هذا التوسع والبسط ينقلب أمر هؤلاء إلى الخصومة حول هذه الدنيا التي جمعوها، أي حصل التنافس كما في الحديث، وقد حدث هذا على وجه متكرر في صور، وفي صور أخرى كان هذا البسط سببًا في ضعف أداء هؤلاء مخافة ذهاب هذه الانجازات كما يسمونها، اذ أن بناء مؤسسة مالية تحت سيطرة الجاهلية وسلطانها يحصل صاحبها خاضعًا لقانون رأس المال الجبان الذي يخاف المجازفة، ويضطر للدفع حفاظًا عليه ولو على حساب قيمه، ولذلك قلة الدنيا بين يدي المصلحين عامل قوة في كل زمن، وفي زماننا خاصة فلا يخاف هؤلاء من ذهاب دنياهم ومراكزهم ومؤسساتهم، بل هم ينطلقون في ثبات على مبادئهم دون اضطرار للمساومة أو اعطاء الخصم فرصته للضغط والانتصار.
-... لقد استعجل البعض في بناء المؤسسات المالية تحت سلطان الجاهلية، وقد أغراهم في هذا ما تحقق بها في الابتداء من مصالح ظاهرة، كتوظيف الاتباع واستقلال الوارد، واتخاذها في بعض الجوانب سبيلًا لنشر الدعوة، ولكن كانت ضريبة هذه المؤسسات أكثر ضررًا من هذه المنافع، وكان بوسع هؤلاء أن يحققوا هذه المصالح من غير هذا الطريق، كما أن هناك خطرًا أشد من ذلك وهو أن سوق الأتباع على هذا الوجه المؤسسي حولهم من مهديين في قلوبهم وعقولهم إلى موظفين أجراء، يرتبطون بالدعوة على وجه مؤسسي، وكان من أشد مفاسد هذه الظاهرة هو غياب الورع في الطبقات العليا في هذه المؤسسات، حيث ترى التدين في القواعد، وكلما صعدت الوظيفة بصاحبها كلما كان في الفساد وغياب الورع، ومن الظواهر البارزة في هذه الممارسات أن الكثير من هؤلاء القوم الذين دخلوا طبقة -الملأ- من خلال هذه المؤسسات التي بدأت خدمة الدعوة -كما أراد روادها- أن انقلبوا على الدعوة بمجرد أن لوح لهم الطاغوت بقيادة مؤسسة أخرى موازية لهذه المؤسسات، وسبب ذلك هو بناء عقلية هؤلاء الأتباع الذين عاشوا في هذه المؤسسات على نوع يضعف جانب الدعوة مقابل المؤسسة.
-... لقد علم كل من درس تاريخ الأنبياء والمصلحين أن هناك توافقًا ثدريًا بين دعوتهم وبين الواقع الذي تحقق فيه نجاح هذه الدعوة، ومن غير توافق فإن مصير هؤلاء الأنبياء والمصلحين هو الشهادة في سبيل الله تعالى أو الهجرة، فقد ذُكر أن الله سبحانه وتعالى هيّأ أهل المدينة لقبول دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمور قدرية منها ما حدث من مقتلة كبرائهم في موقعة بعاث، فذهب (( الملأ ) )وبقي الشباب الذين لقلوبهم هيئة تجعل قبولهم للحق ميسورًا وسهلًا، كما هيّئ لهم من مجاورة اليهود وعلمهم بخبر نبي قادم، وفي هذا الحديث بيان أن الترف وبسط الدنيا لا يحقق أرضية الصلاح والاصلاح، فإن المترفين والمعمين يخافون ذهاب أملاكهم مع هذا الدين الذي يوجب على أصحابه محاربة العرب والعجم والأصفر والأحمر كما هو بين في سيرة رسول الله صلى الله