عليه وسلم ودعوته للعرب في مكة المكرمة، وكان هذا من أسباب اعراض بعض القبائل عن قبول نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في دين الله تعالى.
الأرضية البيئية لانطلاق الاصلاح، وتحقق الدفق الايماني للخارج كما هو اصلاح داخلي يكون في واقع بعيد كل البعد عن الترف وبسط الدنيا وزخارفها، ولذلك فإن الأمم المسلمة المترفة اليوم هم أبعد الناس عن تحمل الدعوة وبعث الأمة وازالة الغربة الثانية، بل البيئة المناسبة لذلك هي بيئة التحدي وشظف العيش وقسوة الحياة، فإن هؤلاء هم مادة البعث والانتصار وتحقق الحضارة، لكن عيون من يسمى بالمفكرين المسلمين في عمى عن ذلك، لخضوعهم في مفهوم الحضارة للدين الجاهلي والذي يرى أن ما يتحقق من الترف المادي والفكري هو الحضارة، وليس الحضور القاهر، ومع المفهوم الاسلامي الحضور العلمي الهادي إلى الدار الآخرة كما قال تعالى (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) )،ومن يسمى بالمفكرين المسلمين اليوم يحتقرون البيئات الفقيرة التي في عري عن زهرة الدنيا وزينتها وبسطها، بل يرون هذا تخلفًا لا يحقق الحضور الإيماني القاهر الغالب، ولذلك انطلاق جماعات الجهاد الاسلامي من هذه البيئات هو دلالة صواب لها لو تفكروافي مفهوم الأمم وانبعاثها من الكتاب والسنة، لكنهم هم أبعد الناس عن ذلك، ولذلك تجد جماعات العمل السياسي والمؤسسي تعاني الزحام والتخمة في البئات المترفة، وكذلك الوعاظ والقصاص تجدهم يتنافسون في هذه البيئات مع اعراض تام عن بيئة البلاء وشظف العيش والفقر.
انطلاق الجهاد من بيئات المعاناة يحقق لها العمل الصحيح، ويدقع قادتها لتحمل نتائج الصراع مع الجاهلية اذ ليس عندهم ما يخشونه بخلاف غيرهم ممن (( يحسبون كل صيحة عليهم ) )ممن بنوا أبنية الزجاج الرقيق التي تنهار بالصرخات قبل الضربات، وعند أصحابها الاستعداد التام للتنازل عن المبادئ تحت حجة المحافظة على مكتسبات الدعوة والدعاة، وما هي إلا (( بسط الدنيا ) )التي هي عماد الهلكة لهذه الأمة وكل أمة.
-دخول جماعات العمل الاسلامي في تنافس على الدنيا مع الآخرين يبعد حقيقة النصر، ويلغي مفهوم الهداية والصراع على المبادئ مع الآخرين، وقد اضطرت هذه الجماعات في هذا الصراع مع الأحزاب العلمانية الأخرى أن تلغي مفهوم الايمان فارقًا بينهم وبين الآخرين، فهم يزعمون أنهم غير (( تكفيريين ) )،ولا يريدون شطب والغاء الآخر، وإنما الخلاف على برامج في أحسن طروفه، وقد أوقع هذا في النفوس مفاهيم الصراع على الدنيا واحتوائها، لأنهم رفعوا مفهوم الايمان فارقًا بينهم وبين الآخرين، ولا يجرؤون قط تسميتهم بغير المسلمين مع رفعهم المتكرر عنوان معارضة الاسلام السياسي كما يسمونه، أي اسلام الحكم والقضاء والتسليم لأمر الله تعالى في شؤون الحياة، ولذلك تحولت هذه الجماعات مع غيرها إلى صراع مكاسب في العمق، ثمّ إن في أداء ما يتحقق لهم من نصر جزئي بتحصيل بعض المكاسب يكون السعي لتحقيق الخدمات الدنيوية للأتباع والناس الآخرين، دون عرض لمفهوم الأنبياء في الدعوة وهو اصلاح دين الناس الذي له عنوان أولي عند الايمان به وهو الابتلاء، من هنا نرى كثرة الجموع في الابتداء لهذه الجماعات وهذا خلاف ما يعرف عن الدعوات أن الأتباع يبدؤون بالقلة ثم يتكاثرون لما يحيط الدعوة من بلاء وشدة ومعاناة في أول الأمر، ورفض الجموع الآن لجماعات الجهاد بسبب ما يتحقق من اللحوق بها من الابتلاء لهذه الجموع، وهو عين ما عاشته الغربة النبوية الأولى.
لقد تلطخت هذه الجماعات بالدنيا أصالة، وصار الدين صبغًا ظاهريًا لهياكل مادية حقيقة في النفوس، وصارت القيادات لهذه الجماعات الاسلامية جزءًا من المرض لأنهم صاروا في الحقيقة جزءًا من الملأ المترف الذي يخاف