الصفحة 16 من 36

ذهاب الدنيا، وقد التقت مصالحه مع مصالح الجاهلية في بقائها وسلطانها، كل هذا لأن هذه الجماعات بنت نفسها ضمن خطة الخصم والهلاك وهو أنها صارت نسيجًا داخلًا في بسط الدنيا.

-هذا الحديث يعلم المؤمنين ترك التنافس على الموجود، اذ في وقوع ذلك حصول الفساد، ولكن التنافس الممدوح بالانطلاق نحو الآخر المفقود، وهذه قاعدة الحق في ابعاد الصراع المذموم والحسد القاتل والتنازع الذي يذهب الريح، فالتاجر المؤمن التقي هو الذي لا يأتي على مجال تاجر مستقل لينافسه فيه كما يقع دومًا، بل إن أراد السلامة لدينه، وتحقيق الدوام والربح الواسع هو الذهاب إلى أفق آخر ومجال غير مسكون ليحصل فيه رزقه ويصنع فيه تجارته، وكذلك الداعي لا يأتي إلى تلاميذ داعٍ آخر ليعلمهم ويربحهم بل الداعي التقي هو الذي يحضر الجهلة أو العصاة من خارج الحضور والموجود ليحقق بهم العلم والطاعة والعمل لدين الله تعالى، وهكذا تضطرد هذه القاعدة في كل جوانب الحياة، فلا تنافس على الموجود، لأن في ذلك ارتداد سهم التوجه نحو الربح والزيادة العامة، ووقوع ذلك يصنع التنازع على الموجود الذي يتفرق ثم هو ينازع نفسه حتى يهلك ذاته، وهو دعوة كذلك لفتح آفاق بعيدة غير مأهولة ولا فيها مزاحمة، فليس من الدين ولا العقل ولا نفع الأمة الصراع بين المؤمنين على الأرض النافعة الخضراء، بل الخير والدين ونفع الأمة التوجه نحو الأرض الموات لاحيائها حتى تتحقق الزيادة لجموع الأمة، وهذا السبيل فيه المشقة والتعب لكن فيه المنفعة الآجلة للمرء وللمسلمين وللعالم.

-ليعلم الذين يريدون قيادة العالم وهدايته، والذين يريدون الدخول في زمرة المصلحين والمجددين أن الزهد في الدنيا شرط وركن لذلك، ولو تفكر امرؤ في تاريخ المصلحين والمجددين، وقبلهم تاريخ الأنبياء لوجد أن سمتهم الحياتية الجامعة هو قلة الدنيا والزهد فيها، وهذا الزهد فعل ارادي واختياري منهم، وكأن الفقر قدر لازم لهم، فكل هذه الموع من خريجي المعاهد العلمية والجامعات الاسلامية لن يتحقق بها التغيير في صعود الاسلام والمسلمين إلى ذرى العزة وترك المهانة إلا غذا أعرضت عن سبيل أهل الدنيا والاكثار منها، وتنكبت طرق الوظائف الدنيوية، وسلكت طرق حملة هذا الدين وحملة العلم، فليس الاكثار من الدنيا إلا معوق لهم عن كلمة الحق وخاصة أنهم يأخذون هذه الدنيا باسم الدين من وظائف تخضع لأحكام توجب ترك الحق وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك فإن كل درهم يأخذونه باسم هذه الوظائف هو استنزاف للحق الذي يعلمونه.

ومع هؤلاء الدعاة والوعاظ والمفتين يقال لقادة ما يقال له بالعمل الاسلامي، فإن السمة الغالبة على قادة الاحزاب في هذا الباب هي تفس السمة التي يعيشها الملأ المترف الذي يرفض الدعوة دائمًا، ولذلك صار هؤلاء القادة جزءًا من الملأ، لهم نفس مصالحه، وقد وقفوا على قيادة هذه الحركات التي يعيش فيها الشباب ليضبطوا حركتهم وردة أفعالهم حتى لا تخرج عن اطارها ضمن خطة الجاهلية نفسها، ولذلك هم أكثر الناس بغضًا لمواجهة الجاهلية بأي صورة من الصور، أما الجهاد فهم أشد أهل الاسلام انكارًا له، وذلك بوضع ضوابط جاهلة باطلة تمنع حدوثه كان آخرها منعم لأتباعهم من اللحوق لساحات الجهاد إلا بموافقة الطاغوت الحاكم نفسه، فقائل هذا القول كيف يسمح بمجالدة هذا الطاغوت الجاثم على صدر الأمة في هذا البلد الذي يعيش فيه؟!

ستكون حجتهم دومًا:- إننا نريد الحفاظ على مكاسب الدعوة، وواقع الأمر هو الخوف على الترف وصبغة الملأ المعروفة في تاريخ الأنبياء، ولذلك فمن موازين الحق التي يجب اعمالها في رصد الحق وفرزه عن الباطل هو النظر إلى دنيا المفتي والقائد والواعظ، فالزهد والاعراض عن الدنيا وعدم حبها والرغبة في الدار الآخرة ليست مواعظ يتناقلها القصاص والخطباء، وأما زاعموا الفكر والاحياء الحضاري وتغيير العالم فهم أكبر من هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت