بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد؛
قال علي رضي الله عنه:- إن للنكبات نهايات، ولابدّ لأحد إذا نكب من أن ينتهي إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها، فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها.) تاريخ الخلفاء للسيوطي (.
ثلاث عشرة سنة في المكان الواحد والفضاء الضيق والانجاز الظاهري المحدود مكثت الدعوة النبوية الشريفة في مكة، لم يُسلم خلالها إلا الأعداد الانسانية القليلة، ثم فيها هجرة الكثير من المؤمنين إلى أرض لم يكن فيها إلا حصول الأمان لهم، إذ بقوا هناك في عزلة عن المجتمع؛ فلم يدخلوا فيه كما لم يدخل المجتمع فيهم كذلك، والذين آمنوا بهذه الرسالة وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إنما كان ايمانهم في السنوات الأولى، ولم يدخل خلال السنين التالية بعد الدفقة الأولى إلا أفراد قلة من هنا وهناك، ولو قرأت هذه السنوات من خلال المنجز الظاهر لما عدت في عمر الدعوات إلا مرحلة دفع لا يقابله القبض المكافئ له، وهي سنون أكثر من تلك التي تلتها في المدينة وحصل فيها القبض والنصر وبلوغ الشهادة ودخول الناس في دين الله أفواجًا، فلماذا كان هذا؟ وما هي الحكمة الألهية في ذلك؟
الجواب الحاضر على ألسنة المجيبين لتفسير سنين مكة المكرمة هذه أنها سنوات التربية، وهي كلمة صحيحة لكنها كلمة يتكئ عليها كل فريق فيفسر كلمة التربية التفسير المحبب والمشتهى له، مع أنها لا تحمل إلا وجهًا واحدًا في الفعل وهو الصبر على الابتلاء وانتظار الفرج بحصول الوعد القادم، فهي سنوات محن متالية، يزداد فيها البلاء يومًا بعد يوم، ولا يجابه هذا البلاء إلا بالصبر، وكأن حال المبتلين هؤلاء في مكة هو حال السجين حيث يزداد ضغط جلاده عليه مع يقينه أن لهذا البلاء أمد سينتهي بفتح أبواب السجن عليه وسيخرج إلى عالم الفعل المضاد لسجانه، لكنه في سجنه لا يواجه إلا فعل سجانه بمزيد من الصبر والثبات وتصديق الوعد بقرب اليسر والفرج.
محنة الصبر على القيم الايمانية تحت ضغط الخصم وجلده وجبروته فترة لازمة لإعداد المهاجم لهذا الخصم بعد النفاذ من باب هذا السجن القاهر، وهي فترة عاشها أغلب البنائين للحضارات والدول، وهي فترة لازمة لتثبيت حالة الخصومة بينك وبين أعدائك، وبها يحصل البيان الضروري في المفارقة بين دينك ودينهم، فما سيقع بعد ذلك من فعل منك تهاجم سيكون مفسرًا بالتاريخ كما هو مفسر بالبيان.
ثلاثة عشر عامًا حددت قريش وجهتها في التعامل مع هذا الدين وأهله، فقد كان لها متسع منها لتقلب كل وجوه الادارة والتعامل، وقد حصل لأهل هذا الدين يقين الحل الوحيد في التعامل مع قريش وأمثالها، وهم قد قرؤوا هذا كله في بيان