السماء حين قص عليهم قصص الأنبياء، وقد عاشوه واقعًا كذلك بكل أحداثه ووقائعه، فهي تربية ابتلاء لتحصيل اليقين على الوعد، كما هي تربية تعليم المؤمن واقع الكفر الذي سيصارع بكل قوته لمنع هذا الوعد وتحققه.
الاعداد النفسي للإنسان هو أطول في ظروف كثيرة من الفعل، ولعل الانسان هو الكائن الأكثر وقتًا ما بين مولده ومشيه، إذ أن أغلب الكائنات ما أن تلد حتى تمشي، لكن للإنسان وجهة أخرى، وهذه تفترق عن مسألة الأفكار والمعتقدات، فإن الايمان إن وقر في القلب يتجذر للحظته، والزمن ليس عنصرًا للتثبيت كما يزعم التربويون في ملتنا، فإن السحرة من قوم فرعون اندفعوا في لحظة من الكفر إلى الايمان إلى الشهادة، وهي صورة تتكرر كثيرًا في التاريخ، لكن تثبيت حالة ما بين طرفين تحتاج إلى تعامل ووقائع متكررة ليحصل المراد، ولذلك فعنصر الزمن مهم وضروري لتثبيت حال سلم بين متحاربين أو حالة حرب بين متحاربين، وهي إن حصلت بالوقائع والزمن والتكرار فإنها ستكون إرثًا لمستقبل طويل قادم لا تعفوه وتغيره الكلمات والأماني، ولو نظر المرء إلى كتاب الله تعالى وحديثه عن مكة وفترتها لما وجدها تستثمر في القرآن إلا في هذا الاتجاه وهو بيان واقع الكفر القرشي ضد المؤمنين، فهم أولئك القوم الذين لا ينبغي مودتهم ولا موالاتهم ولا البر بهم كما قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولوهم فأولئك هم الظالمون}
ويقول تعالى: {ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة}
فهي سنون طويلة تختزل من أجل تعبئة نفسية لزمن البناء الظاهر، وهي في حقيقتها تمثل قواعد هذا البناء التي تضرب في جذر الأرض.
وقبل الاضطراد في بيان أهمية مثل هذه الفترة وطروفها فإن من الواجب والتنبيه أن هذه الفترة لا يلزم وجودها في الابتداء فقد تحصل بعد الفعل أو أثناءه حيث تلزم باعتبارها حالة إعادة بناء وتأهيل، وهي في صورتها الظاهرة لا يوجد فيها إلا السكون والانتظار، وبهذا فهي حالة خطيرة على الكثيرين الذين يذوبون في اللحظات الراهنة، وينكسرون أمامها فيصرخون أن الأمر قد انتهى واغلق ملف التاريخ وآبت الرواحل إلى مستقرها، وسبب انكسارهم هذا هو ضعف حضور التاريخ في أذهانهم، وهي سمة الصغار الذين تبهرهم الفقاعات، كما هم يبكونها إن تلاشت بعمرها الصغير القليل.
حين يضيق الفضاء مثل حالة السجين، ويكون الفعل فقط هو مراقبة الزمن المار مرور النهر بين يدي الجالس على شاطئه، وهو مع ذلك يحمل ثقل الغربة وثقل عذاب الخصوم، وكل لحظة تمر عليه كما كل يوم يمر بين يديه هو على نفس نسق السابق حينها تنشأ الأسئلة القاسية: ماذا بعد؟ ولماذا هذا؟ وهل حقًا هناك وراء ذلك كله وعد يتشكل فتنقلب الأحوال وتتغير معادلات الوجود بين سجين معذّب مأسور وبين ظالم قاهر؟.
لكن أخطر الأسئلة التي تهجم بها النفس على صاحبها هي الأسئلة التي تدور حول طرق الخلاص من هذا الفضاء القاهر وظرفه، وأول ما توجه غازية إلى السبب الذي صنع هذه الظروف وهذا الفضاء.