الصفحة 31 من 36

وإن من الخير المتعدي لغيرهم ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من وقوع الأمان للعالم بسبب صبرهم وثباتهم على الدين، ذلك فإنه في هذا الخبر دليل فضل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن السابقين من الصالحين الصابرين قد حصل لهم من الخير لأنفسهم بقبول الله تعالى لهم، لكن صبر الصحابة رضوان الله عليهم قد وقع به الفضل والخير لأنفسهم وللعالم كذلك، وهذا ما بينه الحديث من الوعد الالهي في حصول الأمان لجزيرة العرب كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسبب هذا الفضل هو اختلاف مقام الصبر بين الفريقين، فإن العابد المختلي لنفسه إن فتن في دينه فلم ينكسر ولم يتراجع فإن له فضلًا عظيمًا، لكن ما يقع للداعي والمجاهد من الصبر على دعوته وجهاده فيه فضل زائد ودرجته أعظم، وهذا ما كان يقع للصحابة رضوان الله عليهم، فقريش وإن آذتهم بسبب ايمانهم ومفارقتهم كفرهم وشركهم، لكن عامة ما كان يقع لهم من البلاء إنما سببه مهاجمتهم وانكسارهم وجهادهم بالقرآن قريش ودينها وقيمها، وقد كانوا على استعداد للثبات على الدين حتى لو حرّقوا أو قتلوا، فإن المرء لا يبلغ حقيقة الايمان إلا بهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:- أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) )وفي لفظ (( حتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر ) )وكلاهما في الصحيح، وهم ولا شك قد حصل لهم هذه المرتبة العظيمة، فلا أحد أعظم بعد الأنبياء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا معه في مكة.

وقوله صلى الله عليه وسلم هذا لخباب هو اعداد لهم لما سيكون من حال آخر غير ما هم فيه، لأن الجزيرة العربة، وخاصة خارج القرى كمكة والمدينة والطائف كانت أرض فساد وطراد وقطاع طريق، وهذا ما قاله عدي بن حاتم لما سمع قريبًا من هذا الوعد فقال (( فأين دعار طيء؟! ) )أي سراقها وقطاع الطريق فيها، وهذا الوعد الالهي على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذطر فيه اسلام الناس وايمانهم بل كان فيه الزيادة على ذلك وهو الأمان وقطع الفساد، فمشروع الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضيته ليست أمرًا اعتقاديًا فقط، بل فيه قضايا وجودية وحياتية واجتماعية واقتصادية، فكما أنّه يصارع ضلال العقائد الفاسدة، فكذلك هو يجهاد ويحارب قضايا وجودية وحياتية واجتماعية واقتصادية، فكما أنّه يصارع ضلال العقائد الفاسدة، فكذلك هو يجاهد ويحارب قضايا الفساد في جوانب الحياة الأخرى، فدل هذا أن التوحيد الذي كان يتعلمه الصحابي في مكة في ابتداء أمره له مفهوم شامل، فيعلمون أن ما هو مطلوب من هذا التوحيد غير قضايا الاعتقاد الباطني، ذلك لأن هذه المرتبة من الامان مرحلة لا يبلغها الناس حتى يأتون على كل قواعد وأسس الفساد، فالزعم الذي يقوله المجرمون في حق الاسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم بأن مفهوم الدين تطور بحسب النجاح والواقع، أو أم مشروع الدولة والسلطان أمر لاحق في التاريخ ولم يكن في ابتداء الدعوة هو زعم كاذب ضال مفترى، بل ما يؤكد أن مفهوم السلطان وصراع الكفر ومجاهدته ومغالبته هو أمر مقارن لكلمة التوحيد في يومها الأول هو ما كان يعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم قريش إن أسلمت، بأن يخضع لها العرب ويدفه العجم الجزية، وهذا الوعد لا يكون إلا بسلطان وجهاد وغلبة وقوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت