فهرس الكتاب
لذلك فمن مسؤولية هذه الأمة ومن الواجبات التي ألقاها الله عليها هو تحقيق الأمان لهذا العالم بهذا الدين، وبغياب الدين يكون الفساد والظلم والخيانة، وكيف لا يكون هذا من دين الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعله منه بقوله (( وليتمن الله هذا الأمر ) )فهذا الأمان وغلبة الدين على غيره حتى يزول الفساد هو من تمام هذا الدين، فهو منه، فكما أن الله أتم الدين تشريافً وأحكامًا بقوله (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينًا ) )فإن تمام هذا الأمر هو حصول الأمان والقضاء على الفساد.
وفي القرآن الكريم اقتران بين الهدى والنصر، فقال تعالى:- يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )) .
فالحق لابدّ له من أعداء يخالفونه ويعادونه، ويجهدون في رده واطفائه، ولكن عاقبة هذه المخالفة والمعاداة هو ظهور هذا الدين ونصره، وفي الآية الأولى بيان أن تمام الدين كائن لا محالة، وفي الآية الثانية بيان أن هذا التمام لا يكون إلا بالظهور، هذا مع بيان أن الظهور يجب فهمه من خلال ملائمة صاحب الحق لواقعه، فقد تقدم أن ثبات أهل الايمان على ايمانهم هو أعظم الظهور والنصر كما قال تعالى (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) ).
اضاءة:
ذكر ابن حجر في الفتح أن بعض الفقهاء قال بجواز سفر المرأة في زمن الأمان وحدها دون محرم أخذًا بحديث عدي بن حاتم والذي فيه أنه قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: (( يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله، قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين قد سعروا في البلاد!!، (( ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى ) )، قلت: كسرى بن هرمز؟!، قال: (( كسرة بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضى يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان ليترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم ) )قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:- (( يخرج ملء كفه ) )وهذا المعنى الذي قاله من ذكرهم من غير تسمية ابن حجر قاله ونشره بعض المعاصرين دون أن ينسب الفقه لغيره، بل زعم أنه صاحبه وابن بكرته، مع أن هذا القول خطأ في الشرع، سواء كان قديمًا أم حديثًا، وكون أن للمعاصر سلفًا قد سبقه إليه لا يعني أنه مصيب، خاصة أن هذا المتأخر لا يعنيه الدليل في قول المتقدم بل له منهج آخر في الاستدلال هو الاستحسان والتشهي تحت زعم التيسير حينًا، أو المصلحة حينًا آخر.