الصفحة 33 من 36

أما أن هذا الحديث ليس فيه هذا المعنى الذي قالوه، فإن السابقين هؤلاء قد أتوا من خطئهم في معنى (( الظعينة ) )الوارد في هذا الحديث، اذ ظنوه يعني المرأة، وهذا خطأ، فإن الظعينة هي الركب، أو القافلة، فهذا ما يصرف له اللفظ ابتداءًا، ويشهد لهذا أن هذا الحديث ورد له ألفاظ أخرى تدل على هذا المعنى وهو في الصحيح كذلك فيه:- (( أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير ) )، وسواءً كان هذا اللفظ هو من التصرف بالمعنى أو الرواية باللفظ فإنّه هو المراد دون غيره لا كمن زعم أن الظعينة هي المرأة، فإن الظعن هو الارتحال كما قال تعالى: (( يوم ظعنكم ويوم اقامتكم ) )، وهي تطلق على الآلة أو ما فيها، ولذلك قالوا: الظعينة هي الهودج سواء كان فيه راكبته أم لا.

ومقصود الحديث هو أن الرواحل والقوافل تسير بغير حرس لحصول الأمان لها، اذ أن هذا ما يقابل الفساد وقطع الطريق، لا أن المرأة تسير وحدها لتحج من غير محرم فإن هذا لا يقابل الفساد الذي كان قبل الأمان الموعود في الحديث، اذ لو كان هذا معنى الحديث لكان لفظ (( الظعينة ) )فردًا يدل على امرأة في هودجها، وهذه لا تفعله عاقلة قط لأن العاقلة سيمنعها هذا المسير الطويل من الحيرة إلى مكة غير فساد الطريق من قطاعه، بل ما هو أشد من ذلك، وهو عدم قوة المرأة على هذا السفر منفردًا دون صحبة مطلقًا سواء من محرم أو من غيره، ولمنعها من ذلك أحاديث أخرى وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب ) ).

هذا وقد أخبر عدي رضي الله عنه بوقوع الحديث وبشارته، ولم يعلم قط أن في زمانه من أفتى للنساء بهذا المسير والحج منفردات بلا محرم لهن، فالذي أراه هو مسير الرواحل والقوافل بلا خفير ولا حارس لعدم الخوف من قطاع الطريق.

ثمّ من قال إن علة وجود المحرم في السفر هو عدم الأمان من السرقة والقتل والنهب فقط، اذ لو كانت هذه العلة لاضطردت في الرجال والنساء، فإن مسيرة الرجل والرجلين في بيئة ما وصفه عدي من انتشار طرار طيء وسعارهم وسعيرهم ضد القوافل يكون فسادًا وتعريضًا للنفس وهلكتها، فيمتنع شرعًا، إنما العلة غير ذلك، وهي ما وصفته زوجة أبي الأسود الدؤلي وقد تعرض لها فاسق في الحج عمر بن أبي ربيعة وهي تطوف منفردة، فلما جاءت الغد وجاء معها زوجها فلما رآها الفاسق مع زوجها هرب ولم يعرض لها فقالت:-

تطوف الذئاب على من لا كلاب له ...

وهذا الأمر بين ولولا الحياء وإشاعة الفاحشة لذكرت ها هنا من القصص الكثير قديمًا وحديثًا الدال على أن قبول الرجل لهذا الأمر، وهو سفر عرضه وحدها دال على الدياثة، إلا أن يكون السبب دينيًّا قاهرًا كهجرة المرأة لزوجها، فإن هذا قد وقع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل عليه النفس، والمسألة معروفة في مظانها والحمد لله رب العالمين.

{أسلم عدي بن حاتم رضي الله عنه في منتصف السنة السابعة للهجرة وعاش في الاسلام قريبًا من ستين عامًا ومات في خلافة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فهل سُمِع في السابقين من أفتى امرأة تحج منفردة من الحيرة إلى مكة ليرى عدي هذا الحدث العجيب؟!}

ماذا كان يقدم النبي صلى الله عليه وسلم الرؤوف لأصحابه في هذا الأتون وهذه المحن؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت