الصفحة 34 من 36

مما لاشك فيه أنّ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزن لما يلاقيه أصحابه رضوان الله عليهم، ولكنه لم يكن يملك من القوة والقدرة ما يدفع عنهم هذا البلاء، ولا يمكن لأحد يعقل ما يخرج من رأسه أو يفهم واقع الايمان وبيئته أن يقول ما يقوله الجاهلون اليوم من اتهام قادة الدعوة والجهاد بأنهم يقذفون الشباب للبلاء والموت، وأنهم سبب العذاب عليهم، بل إن الجاهلين الضالين اليوم ليزيدون في الطنبور نغمة إذ يتهمونهم بهذا وهم في منأى عما يلاقيه الضعفاء، ومما لاشك أن العذاب البدني على مثل عمار وياسر وخباب كان أشد مما يلاقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا عند سدنة الكفر والضلال والجهل اليوم اليوم سببًا في توجيه الاتهام له أنه يحتمي بعمه وبقومه ويترك الضعفاء ممن لا ذمة حامية لهم بلا غطاء ولا حماية، ولكن ما قدمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لهم الخير كله وهو الرحمة كلها وهو النعيم كله، إذ كل عذاب يهون أمام نعمة الايمان، وإن كل ما يلاقونه إنما هو في كتاب ولهم أجرهم يوم القيامة.

لكن هل كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخر دعوتهم والحاقهم بهذا الدين حيث لا يجد لهم الحماية والقوة ليدفع عنهم الشرور والايذاء بسبب هذا الايمان؟

هذا السؤال لا ينشأ في قلب رجل يعلم معنى الايمان، إنما ينشأ اليوم في أذهان الفقهاء الجدد ومشايخ الفساد ممن يقبلون تأخير اسلام المرء ودخوله في الدين لأسباب هي أقل بكثير مما كان يقع للصحابة رضي الله عنهم، وأخبار هؤلاء الذين أخذ الله عليهم الميثاق ليبينونه للناس ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم تأتي تترى، وبعضهم لا يستحي أن يقول كلمة الكفر:"إن اسلام هؤلاء لا يزيد الاسلام ولا ينقص الكفر"، وهي كلمة كفر صريح لا مثنوية فيها، إذ فيها الرضا بالكفر وعدم اعتبار الايمان شيئًا نعوذ بالله من الضلال.

أما ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله لهم فهو كثير وعظيم:-

-فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرهم بالجنان فيقول لياسر وأهله: أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة (رواه الطبراني والحاكم والبيهقي) ، ويدعوهم للصبر في حديث خباب.

-وقد كان يبشرهم بمغفرة الذنوب، وقد تقدم هذا في حديث عمار عن عثمان رضي الله عنه.

-... وقد كان أبو بكر رضي الله عنه بماله من مال وقدره ينفق في اعتقاء الرقاب، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن هشام بن عروة عن أبيه (فهو مرسل) قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال وهو يعذب، وهو يقول:- أحد أحد، فيقول (أي ورقة) : أحد أحد، الله يا بلال، ثم يقبل ورقة بن نول على أمية بن خلف وهو يصنع ذلك ببلال، فيقول: أحلف بالله عز وجل لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانًا، حتى مر به أبو بكر الصديق يومًا وهم يصنعون ذلك، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ قال (أي أمية) : أنت أفسدته فأنقذه مما ترى.

فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك أعطيكه به، قال: قبلت. قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك، وأخذ بلالًا فأعتقه، ثم أعتق معه على الاسلام - قيل أن يهاجر من مكر- ست رقاب، بلال سابعهم.

روى الزبير بن بكار بعضه وقال ابن حجر في الاصابة: مرسل جيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت