فهرس الكتاب
-كان يبشرهم بالنّصر الآتي، وهو وعد يقيني يؤمنون به، كما في حديث خباب رضي الله عنه.
فهذه هي المقومات النفسية التي يبنى عليها المؤمن لاجتيازه هذه العقبة، فيحصل فيها الثبات حتى تتحقق الامامة لصاحبها واقعًا، إذ لا إمامة إلا بابتلاء.
وعدو هذه المقومات هو الاستعجال، فإن استطالة الطريق هي عدو الصبر واليقين، والاستعجال هو طلب الشيء قبل أوانه، وهو على العموم له حالان بحسب مطلوبه، فإن هناك ما يطلب قبل أوانه المقدر له في السنن الجارية، وهذا هو المنهي عنه، وهو من سوء التقدير وفساد النظر، ويقال في هذا: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، كمن طلب الولد قبل تمامه خداجًا، أو كمن طلب الثمر قبل تمامه، لكن هناك من المطلوب ما يمكن تحصيله بالجد والاسراع، كالمسافر الجاد في طلبه الساعي إليه، أو كالصانع المجتهد في بلوغ حاجته، فهذا يوعظ المرء به بحسب حاله، وإن كان الأمر الجامع لهذه المطالب هو الرفق والأناة على الآلة المستعملة وعلى النفس والبدن والقوة، فقط وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسافر بالاستعجال في الإياب إلى أهله بعد قضاء وطره فقال صلى الله عليه وسلم: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله )) .
والاستعجال في أدء الطاعات والتوبة وقضاء حاجات المرء وبدنه هو المطلوب، فإن من أعظم مفاسد النفس هو التأجيل والتسويف، وهو باب الشيطان الذي يذهب الخير العظيم على المرء، هذا مع الرفق الذي مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:- (( لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ) ).
فكل هذا ليس مقصود الحديث، وما كان يقوله الأقدمون:"العجلة والاتقان لا يجتمعان"إنما هو بحسب آلاتهم القديمة، فإن للناس اليوم من الآلات والوسع الذي يعينهم على الجمع بينهما إن أرادوا، وكل ذلك بحسب الآلة كما قال تعالى عن الدواب:- (( وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ) )وبالآلات ذهبت هذه المشقة وصار الأمر هينًا بلا عناء شديد.
ولكن العجلة المنهي عنها هي منازعة الأقدار السننية الجارية، كمن طلب من الدابة فوق وسعها استعجالًا لمقصوده، أو حملها فوق ما تطيق، فإن عاقبة هذا هو انقطاع الدابة وعدم حصول المقصود، فالغاية من هذا الدين هو بلوغه الليل والنهار، وتحقيقه العدل والأمان للعالم، وأن تكون العاقبة له، فهذا مستقره الذي وعد الله أهله به، ثمّ إنه وعد آحادهم وأجيالهم بوعود إما الموت على الايمان وبلوغ الجنان وإما النصر بغلبتهم على أعدائهم وشفاء صدورهم منه فقال سبحانه (( قل هل تربصون بنا إلا احدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ) )وقال سبحانه وتعالى (( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا ) )وقال تعالى (( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ) )فهذه وعود القرآن الكريم ووعود السنة الشريفة، ومع ما يقع للإسلام من تراجع في بعض أموره وبعض جهاته إلا أن الوعود تجري إلى مستقرها، فالقسطنطينية قد فتحت كما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل محمد الفاتح في الوقت الذي خسر المسلمون فيه الأندلس وخرجوا منها، وما أن انتهت الحروب الصليبية وأهل الاسلام في افتراق وحروب داخلية حتى دخل البلقان في الاسلام، ودخل أهل شرق آسيا