النهروان، فكم عدد هؤلاء على الساحة الإسلامية اليوم وكم نسبة ضحاياهم مقابل ضحايا العلمانين وأنصار الصليبيين الذين لا يكادون يذكرون بسوء؟
أمّا تهمة الخارجية، فهي تهمة قديمة تلاحق أهل السنة والتوحيد في كل زمان ومكان ولم يسلم منها الإمام أحمد ولا ابن تيمية ولا ابن عبد الوهاب ولا كل من سار على منهجهم واتبع طريقتهم واقتدى بإبراهيم عليه السلام ومن معه في البراءة من الشرك والمشركين. وأهل الباطل من كفرة مرتدين ورهبان ضالين يجدون في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخوارج مطية لصد الناس عن كل دعوة إصلاحية بتهمة الحرورية، جاهلين أو متجاهلين أن سبب تعدد ذكرهم في الأحاديث الصحيحة ليس لأن خطرهم بهذه الدرجة التي يصورها المبطلون، إنما هو لأنها أول فرقة ظهرت في من ينتسب للإسلام، فسن بها صلى الله عليه وسلم سنة التعامل مع غيرها من فرق الضلالة. وقد زامنها وجاء من بعدها من الفرق ما يفوق ضلالها أضعافا مضاعفة بل ويخرجها من الملة بالكلية، ورغم ذلك لم يأت فيها أي حديث صحيح. فهذه السبئية قد زامنت ظهور الخوارج وفرخت الرفض والباطنية اللذان يجران على المسلمين إلى اليوم أشد الويلات بسبب دولهم التي رعت هذا الإلحاد على امتداد العصور المتأخرة. وقل مثل ذلك عن بدعة القدر التي أدركها صغار الصحابة وكفروا مبتدعيها، وبدعة التجهم التي صارت تعصف بالأمة في الإيمان والتوحيد ولم يسلم منها إلا من رحم الله، بلوغا إلى بدعة التصوف التي أفرزت بدع الطرقية وشركيات القبورية. فهل الخوارج أضل من هؤلاء؟
وفي المقابل نجد أن الإرجاء الذي هو موضوعنا هنا، قد صار المذهب الرسميّ لعامة المسلمين وخاصتهم - إلا من رحم الله - وصار صك غفران لكل زنديق وملحد وفتح الباب واسعا أمام الدعوات العلمانية لتتحلل من الشريعة وتنشر الفجور والإباحية، ورغم ذلك لا ترى في التحذير منه إلا بعض الكتب والمقالات، يعد أصحابها على أصابع اليد الواحدة. والأعجب من هذا أن القلة الباقية التي كتبت في هذا الباب لم تكتب فيه إلا من باب تحصيل الشهادات والترف العلمي أو الفتوى النظرية، وأعمال هذه الطائفة وواقعها يخالف ما قررته من فساد هذا المذهب وزيغ منتحليه، بل إن الكثير من هذه الأعمال ترقيع للمرتدين وتقرير للإرجاء في أقبح صوره: الإرجاء الغالي الذي كفّر السلف القائلين به.
وقد رأيت مستعينا بالله جمع ما يمكن جمعه من أقوال أئمة السلف المتقدمين في التحذير من هذا المذهب الباطل وبيان خطره على الأمة، خاصة أن الكثير من دعاته اليوم لا يستحي من نسبة أقواله للسلف بل ولخيارهم من الصحابة رضوان الله عليهم، فكان بذلك تلبيسهم أشد وضررهم أعظم.