فهرس الكتاب
6 -غلوه في إطلاق التكفير على عموم البرلمانيين والمنتخبين دون قيود كان ينبغي أن توضع باهتمام.
وهذا ليس تقليلًا من قيمة الكتاب لكن الله أبى أن يتم إلا كتابه.
دخول المتأولين والمخالفين في أهل القبلة:
هذه المسألة من أشرف المسائل وأرحمها وأعدلها عند أهل السنة والجماعة، فإن المستبصر بها يقينًا يعلم أن طريق هذه الطائفة هي أرحم الطرق في تعاملها مع المخالف، وهذه المسألة كذلك من الفروق المهمة بل من أعظم الفروق بيننا وبين المخالفين، فإن عامة الفرق البدعية كما سيأتي قد تنكبت عن الهداية في هذه المسألة ...
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:- إن المتأول الذي قصده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفر ولا يفسق، إذا إجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، أما مسائل العقائد فكثير من الناس كفر المخطئين فيها، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، إنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم [1] .
بل هذه المسألة هي عمدة المسائل في الحكم على الرجل بأنه سني أو مبتدع، فإن الخوارج -والذين هم رؤوس أهل البدع- يحكم عليهم بالبدعة والخارجية عند كثير من أهل السنة لمجرد وجود هذه المسألة عندهم. فإن أهل البدع عمومًا يكفرون المخالف المتأول ولا يعذرونه، وقد سرت هذه البدعة كما قال ابن تيمية في طوائف من المنتسبين لأهل السنة والجماعة، وبسبب هذا السريان (كما سيأتي) عدم فهمهم لكلام الأئمة في إطلاق تكفير أهل البدع.
فالزيدية نصوا في كتبهم على تكفير المتأولين، قال الهادي في"حدائق الأزهار":- والمتأول كالمرتد. قال الشوكاني في الرد عليه، ههنا تسكب العبرات، ويناح على الإسلام وأهله بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر لا لسنة، ولا لقرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لما غلت مراجل العصبية في الدين، وتمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين لقنهم إلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء، والسراب البقيعة [2] ... الخ. فارجع إليه لأهميته.
وكثير من المتكلمين المنتسبين لأهل السنة كفروا المتأولين .... قال أبو منصور البغدادي في كتابه"أصول الدين":- المسألة الرابعة عشر من هذا الأصل في أنكحة أهل الأهواء وذبائحهم ومواريثهم: أجمع أصحابنا على أنه لايحل أكل ذبائحهم وكيف نبيح ذبائح من لا يستبيح ذبائحنا، وأكثر المعتزلة مع الأزارقة من الخوارج يحرمون ذبائحنا وقولنا فيهم أشد من قولهم فينا ... وأجمع أصحابنا على أن أهل الأهواء لا يرثون من أهل السنة [3] .
(1) منهاج السنة النبوية5/ 239 - 240.
(2) انظر"حدائق الأزهار"والرد عليه قي السيل الجرار للشوكاني 4/ 584. وانظر رد العلامة الجهبذ محمد بن إبراهيم الوزير اليماني على شيخه الزيدي في"العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم2/ 150 وما بعدها".
(3) ص240 وما بعدها.