بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي وعليه توكلي
مسألة:
في أهل بلد مرتدين أو بادية، وهم بنو عم لرجل - ويجيء لهم ذكر عند الأمراء - يتسبب بالدفع عنهم، حمية دنيوية، إما بطرح نكال أو دفن نقائص المسلمين، أو يشير بكف المسلمين عنهم، هل يكون هذا موالاة نفاق، أو يصير كفرًا؟
وإن كان ما يقدر من نفسه أن يتلفظ بتكفيرهم وسبهم، ما حكمه؟ وكذلك إذا عرفت هذا من إنسان ما يجب عليك؟
أفتنا مأجورًا، وبين لنا وجه الدليل على النفاق أو الكفر؟
جزاك الله خيرًا.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين.
يجب أن تعلم أولًا أيدك الله تعالى بتوفيقه: أن أوثق عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله وأن الله افترض على المؤمنين عداوة الكفار والمنافقين، وجفاة الأعراب الذين يعرفون بالنفاق، ولا يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأمر بجهادهم، والإغلاظ عليهم بالقول والعمل.
وتوعدهم باللعن والقتل في قوله: {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا} ، وقطع الموالاة بين المؤمنين وبينهم، وأخبر أن من تولاهم فهو منهم، وكيف يدعي رجل محبة الله، وهو يحب أعداءه الذين ظاهروا الشيطان على ربهم، واتخذوه وليًا من دون الله كما قيل:
تحب عدوي ثم تزعم أنني صديقك إن الود عنك لعازب
وبالجملة: فالحب في الله والبغض في الله، أصل عظيم من أصول الدين، يجب على العبد مراعاته؛ ولهذا جاء في الحديث: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) .
وكذلك أكثر الله من ذكره في القرآن، قال الله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ... الآية} .
قال بعض المفسرين: نهو أن يوالوا الكافرين؛ لقرابة بينهم، أو صداقة قبل الإسلام، أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر.
وقوله: {من دون المؤمنين} ، يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين، فلا تؤثروهم عليهم {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} ، أي ومن يتول الكفرة، فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأسًا.
وهذا أمر معقول؛ فإن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان.
وقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} ، رخص لهم في موالاتهم إذا خافوا، ولم يحسنوا معاشرتهم إلا بذلك، وكانوا معهم مقهورين لا يستطيعون إظهار العداوة والبغضاء لهم، فحينئذ تجوز المعاشرة ظاهرًا، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، حتى يزول المانع كما قال تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} .
قال ابن عباس: (ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان) .
وقال أيضًا: (نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين؛ فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} ) [ذكره ابن جرير وابن أبي حاتم] .
وقال تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ... الآية} .
قال القرطبي: (أي لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم) .
وقال تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، إلى قوله: {فإن حزب الله هم الغالبون} .
قال حذيفة رضي الله عنه: (ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر) ، وتلا هذه الآية: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} .
وقال مجاهد في قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم} ، قال: (هم المنافقون في مصانعة اليهود، وملاحاتهم واسترضاعهم أولادهم إياهم) .
وقال علي رضي الله عنه في قوله: {أذلة على المؤمنين} ، قال: (أهل رقة على أهل دينهم) ، {أعزة على الكافرين} ، قال: (أهل غلظة على من خالفهم في دينهم) ، ومعناه عن غير واحد من السلف.
وقال تعالى: {يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ... الآية} .
وقال تعالى: {ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} ، والآية بعدها، وقال تعالى: {يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} .