القولين المتضادين يلزم جميع المسلمين اتباعه. وعلى ولاة الأمر أن يمنعوهم من التظالم فإذا تعد بعضهم على بعض منعوهم العدوان.
ثم ضرب مثلا لذلك: بأن الحكام قد ألزموا بمنع ظلم أهل الذمة وأن يكون اليهودي والنصراني في بلادهم إذا قام بالشروط المشروطة عليهم لا يُلزمه أحد بترك دينه مع العلم بأن دينه يوجب العذاب فكيف يسوغ لولاة الأمور أن يمكنوا طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض وحكم بعضهم على بعض بقوله ومذهبه هذا مما يوجب تغير الدول وانتقاضها فإنه لا صلاح للعباد على مثل هذا. وهذا إذا كان الحكام قد حكموا في مسألة فيها اجتهاد ونزاع معروف فإذا كان القول الذي قد حكموا به لم يقل به أحد من أئمة المسلمين (كما هو مسلك الانهزاميين والعصرانيين في فقه التيسير) ولا هو مذهب أئمتهم الذين ينتسبون إليهم ولا قاله أحد من الصحابة والتابعين ولا فيه آية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل قولهم يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأئمة فكيف يحل مع هذا أن يلزم علماء المسلمين باتباع هذا القول وينفذ فيه هذا الحكم المخالف للكتاب والسنة والإجماع وأن يقال القول الذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف لا يقال ولا يفتي به بل يعاقب يؤذى من أفتى به ومن تكلم به وغير ويؤذى المسلمون في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لكونهم اتبعوا ما علموه من دين الإسلام وإن كان قد خفي على غيرهم وهم يعذرون من خفي عليه ذلك ولا يلزمون باتباعهم ولا يعتدون عليه فكيف يعان من لا يعرف الحق بل يحكم بالجهل والظلم ويلزم من عرف ما عرفه من شريعة الرسول أن يترك ما علمه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل هذا لا ريب أن هذا أمر عظيم عند الله تعالى وعند ملائكته وأنبيائه وعباده والله لا يغفل عن مثل هذا وليس الحق في هذا لأحد من الخلق فإن الذين اتبعوا ما علموه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يظلموا أحدا في دم ولا مال ولا عرض ولا لأحد عليهم دعوى بل هم قالوا نحن نتبع ما عرفناه من دين الإسلام وما جاء به الكتاب والسنة.
إلى أن قال: بل لو كان مخطأ مع اجتهاده لم يستحق العقوبة بإجماع المسلمين ولا يجب عليه إتباع حكم أحد بإجماع المسلمين وليس للحاكم أن يحكم بأن هذا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذا العمل طاعة أو قربة أو ليس بطاعة أو قربة ولا بأن السفر إلى المساجد والقبور وقبر النبي صلى الله عليه وسلم يشرع أو لا يشرع ليس للحاكم في هذا مدخل إلا كما