فهرس الكتاب
بشكل صريح أن مَن أعرض عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقبول بحكمه قد انتفى عنه الإيمان، وقال الإمام أحمد:"نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعًا، ثم جعل يتلوا:"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة" [1] الآية، وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك! لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شئ من الزيغ، فيزيغ قلبه فيهلكه، وجعل يتلوا هذه الآية:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" [2] ، وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"فأقسم سبحانه بنفسه أنَّا لا نؤمن حتى نُحكِّم رسولَه في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمه فلا يبقى منها حرج، ونسلِّم لحكمه تسليمًا، فلا نعارضه بعقلٍ ولا رأيٍ ولا هوى ولا غيره، فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يُقدِّمون العقل على ما جاء به الرسولُ، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه" [3] ، قلت: فإذا كان الإيمان منفيًا عمن لم ينشرح صدره لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بمن سبَّه وشتمه وآذاه بفحشٍ من القول وزور من الكلام. قال ابن تيمية رحمه الله:"فإذا كان النفاق يثبت، ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا تركٌ محضٌ وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالتنقص والسب" [4] ، قلت: أي أن كون السب والشتم سببًا في نفي الإيمان أولى وأقوى، لأن الساب لم يقتصر على الترك والإعراض الذي هو بحد ذاته كفر، بل ضم إلى ذلك التنقص والشتم فهو متعاطي لأذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التعاطي للإيذاء فوق الترك المحض فكان أولى بنفي الإيمان واستحقاق العقوبة. ويؤيد هذا المعنى ما رواه دحيم في تفسيره عن عتبة بن ضمرة: حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحِقِّ على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى. فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، وقد ذهبا إليه، فقال الذي قُضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضي لي. فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبُه أن يرضى. قال: فأتيا عمر بن الخطاب، فأتياه فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، ثم أتينا أبا بكر فقال أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرضى، فسأله عمر، فقال كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سلَّه، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله:"فلا وربك لا يؤمنون"إلى آخر الآية [5] . قلت: فكيف يفعل الصحابة إذًا بالساب والشاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف يجدر بالمؤمن أن يفعل!"
8.قوله تعالى:"ومنهم من يَلمِزُك في الصدقات فإن أُعطوا منها رَضُوا وإن لم يُعطَوا منها إذا هم يَسخَطون" [6] ، ووجه الدلالة من هذه الآية يجمع أمورًا مما تقدم (فأولها) يتعلق بصفات المنافقين وسلوكهم الظاهر الدال على كفرهم الباطن وهو في هذه الآية الفاضحة لمزُ النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات، قال ابن تيمية رحمه
(1) سورة النور - آية 63
(2) الصارم المسلول - 2/ 116
(3) الصواعق المرسلة - ابن قيم الجوزية - 3/ 828
(4) الصارم المسلول - 2/ 81
(5) عمدة القاري - الحافظ العيني - 12/ 203، والسيوطي في الدر المنثور (2/ 585) ، وذكره ابن تيمية في الصارم المسلول وأشار إلى إرساله فقال:"وهذا المرسل له شاهد من وجه آخر يصلح للاعتبار، قال ابن دحيم حدثنا الجوزجاني حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال:"اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فقضى لأحدهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم انطلقوا إلى عمر. فانطلقا فلما أتيا عمر قال الذي قضي له: يا ابن الخطاب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لي، وإن هذا قال ردنا الى عمر فردنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أكذلك للذي قضي عليه. قال: نعم. فقال عمر: مكانك حتى أخرج فاقضي بينكما فخرج مشتملًا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يارسول الله قتل عمر صاحبي ولولا ما أعجزته لقتلني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنت أظن أن عمر يجتري على قتل مؤمن، فأنزل الله تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"فبرّأ الله عمر من قتله" (الصارم المسلول 2/ 83 - 85) "
(6) سورة التوبة - آية 58