فهرس الكتاب
الوجه السادس عشر: أنه قد ثبت في الصحيح أن الجنة يبقى فيها فضل فينشئ الله لها خلقًا يسلكهم إياها بغير عمل كان منهم، محبة منه للجود والاحسان والرحمة، فإذا كان جوده ورحمته قد اقتضيا أن يدخل هؤلاء الجنة بغير تقدم عمل منهم ولا معرفة ولا إقرار فما المانع أن تدرك رحمته من قد أقر به في دار الدنيا واعترف بالله ربه ومالكه واكتسب ما أوجب غضبه عليه، فعاقبه بما اكتسبه، وعرفه حقيقة ما اجترحه، واشهده أنه كان كاذبا مبطلا، وإن رسلهم الصادقون المحقون، فشهد ذلك، وأقر على نفسه وتقطعت نفسه حسرة وندما لو أخرجت النار منه خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد ولا يقال الخبث لايفارقهم والإصرار لايزول عنهم، كما قال تعالى: {ولو رُدُّو لعادوا لما نهو عنه} فإن هذا ليس في حكم الطبيعة الحيوانية، ولهذا في الدنيا لما يمسهم العذاب تجد عقدة الاصرار قد انحلت عنهم وانكسرت نخوة الباطل ولكن لم تطهر قلوبهم بذلك وحده، وأما قوله تعالى: {ولو رُدوا لعادوا لما نُهوا عنه} فذلك قبل دخول النار فقالوا {يا ليتنا نُردُّ ولا نكذِّب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ماكانوا يُخفون من قبل ولو رُدوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنهم لكاذبون} وهذا إخبار عن حالهم قبل أن يدخلوا النار وقبل أن تذيب لحومهم ونفوسهم التي نشأت على الكفر فالخبث بعد كامن فيها فلو ردوا والحالة هذه لعادوا لما نهوا عنه والحكمة والرحمة تقتضي أن النار تأكل تلك اللحوم التي نشأت من أكل الحرام، وتنضج تلك الجلود التي باشرت محارم الله تعالى، وتطلع على الأفئدة التي أشركت به وعبدت معه غيره، فتسليط النار على هذه القلوب والأبدان هو من غاية الحكمة، حتى إذا أخذت المسألة حقها وأخذت العقوبة منهم مأخذها وعادوا إلى مافطروا عليه وزال ذلك الخبث والشر الطارئ على الفطرة، وللعزيز الحكيم حينئذ حكم هو أعلم به وهو الفعال لما يريد.