فهرس الكتاب
ونظيره قولهم: مازاد إلا نقصًا فإنه يفيد القطع بعدم زيادته وأنه إن كان ثم تغير فبالنقصان وليس هذا مخرج قوله: {خالدين فيها إلا ماشاء الله} ولو أريد هذا لقيل: لايخرجون منها أبدًا إلا مدة مقامهم في الدنيا، فهذا يكون وزان قوله: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} وكان يفيد ذلك تقرير عدم خروجهم منها، وأما إذا قيل خالدين فيها إلا ماشاء الله لايخلدوا فإن ذلك يفيد أن لهم حالين: فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بالاستثناء في أهل الجنة فإن هذا وارد فيهم بعينه قيل: قد اقترن بالاستثناء في أهل الجنة ماينافي ذلك وهو قوله {عطاءً غير مجذوذ} ولهذا والله أعلم عقب الاستثناء بهذا رفعًا لهذا التوهم وعقب الاستثناء في أهل النار بالأخبار بأنه يفعل مايريد ولا حجر عليه سبحانه فيما يريد بهم من عذاب أواخراج منه فإن الأمر راجع إلى مشيئته وارادته التي لاتخرج عن علمه وحكمته كما عقب الاستثناء في سورة الأنعام بقوله: {إنَّ ربك حكيم عليمٌ} فدل بذلك على أنه أدخلهم النار بحكمته وعلمه بأنه لا يصلح لهم سواها وله حكمة وعلم فيهم لا يبلغه العباد فإن اقتضت حكمته وعلمه فيهم غير ذلك لم تقصر عنه مشيئته النافذة وقدرته التامة، ومما يوضح الأمر في ذلك أنه في آية الأنعام خاطبهم بذلك أما في النار وأما في موقف القيامة ولم يقيد مدة الخلود بدوام السماوات والأرض فقال {ويوم نحشرهم جميعًا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجَّلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلاَّ ماشاء الله إن ربك حكيم عليم} فأمكن أن يكون هذا الاستثناء هو مدة مقامهم في البرزخ وفي مدة القيامة وأما أن يقول لهم في البرزخ وفي الموقف فهذا أمر قد علموه وشاهدوه فأى فائدة حصلت في الاخبار به.
كلام ابن القيم في الوابل الصيب