الصفحة 102 من 145

قياس النار على الجنة فقد تقدم الفرق بينهما من وجوه عديدة، وكيف يقاس الغضب على الرحمة والعدل على الفضل والمقصود لغيره على المقصود لنفسه.

الوجه الثامن عشر: أنه لو لم يكن من الأدلة على عدم أبدية النار إلا استثناؤه سبحانه بمشيئته في موضعين من كتابه أحدهما قوله {قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء إن ربك حكيم عليم} فما هاهنا مصدرية وقتية وهو استثناء مادل عليه الأول وهو كونها مثواهم بوصف الخلود فلابد أن يكون المستثنى مخرجا لما دخل في المستثنى منه وهو خلودهم فيها فلابد أن يكون المستثنى مخالفًا لذلك إذ يمتنع تماثلهما وتساويهما وغاية مايقال: أن المستثنى واقع على ماقبل الدخول لا على مابعده وهو مدة لبثهم في البرزخ وفي مواقف القيامة، وهذا لا يتأتى هاهنا فإن هذا قد علم انتفاء الدخول في وقته قطعًا فليس في الاخبارية فائدة وهو بمنزلة أن يقال: أنتم خالدون فيها أبدًا إلا المدة التي كنتم فيها في الدنيا وهذا ينزه عنه كلام الفصحاء البلغاء فضلا عن كلام رب العالمين وهو بمنزلة أن يقال للميت: أنت مقيم في البرزخ إلا مدة بقائك في الدنيا وليس هذا مثل قوله: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} فإن هذا استثناء منقطع قصد به تقرير المستثنى منه وأنه عام محفظ لاتخصيص فيه، إذ من الممتنع أن يكون تخصيص باستثناء فيعدل عن ذكره إلى غير جنسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت